التحدي الحقيقي أمامنا جميعاً سواء القائمون على الجمعية أو المجتمع هو أن نبحث عن طرق جديدة للإبداع في الأعمال الخيرية تضاعف من مردود العمل الخيري

تلقى كاتب هذه السطور خطاباً من الأمير عبدالعزيز بن سلمان – المشرف العام على جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي – فيما يبدو أنه خطاب موجه لعدد من كتاب الرأي للتعريف بالجمعية التي تعمل تحت مسمى (كِلانا)، وكذلك التوعية بمسألة مرض الفشل الكلوي ومعاناة أصحابه، ولعل مرض الفشل الكلوي رغم سمعته الظاهرة بكونه أحد الأمراض العصرية الآخذة في الانتشار لا يزال بعيداً عن وجدان الناس وبالأخص معرفة حقائق آلام ومعاناة أصحابه.
مرض الفشل الكلوي هو فشل الكلية في القيام بوظيفتها الرئيسة في تخليص الدم من السموم ومن الفضلات، وتعد أبرز طرق علاجه هي الغسيل الدموي والذي يتم من خلال أجهزة تقوم بسحب الدم من الجسم وتنقيته من خلال أجهزة مخصصة لهذا الغرض، وخلال هذه العملية التي تتم عدة مرات في الأسبوع قد يضطر المريض إلى الجلوس عدة ساعات دون حراك حتى تنتهي، وبالإضافة إلى الألم المصاحب لعملية الغسيل فإن معاناة المريض تنسحب أيضاً على أهله والمصاحبين له حيث إن الفشل الكلوي يجعل المريض مقيداً اجتماعياً لعملية الغسيل وهو ما يعطل قدرته على الاعتناء بعائلته، وكذلك تجعل مساهمته في المجتمع ضعيفة وغير فاعلة.
مرضى الفشل الكلوي يعانون على الصعيد الجسماني من العديد من العوارض وعلى رأسها ضعف البنية الجسدية وضعف القدرة على الحركة والدوار والغثيان بالإضافة إلى الضعف الجنسي، وما ينجم عن هذه الأمور على الصعيد الاجتماعي والنفسي متعدد، وعلى رأسه الانعزال الاجتماعي نتيجة المرض وضعف القدرة على الإنتاج والعمل إضافة إلى توتر العلاقات الزوجية وما يصاحب ذلك من مشاكل أسرية واجتماعية.
جمعية كِلانا تقدر وجود 11 ألف مريض بالفشل الكلوي في المملكة بزيادة تصل إلى 9% سنوياً، في المقابل تصل تكلفة العلاج للمريض الواحد ما يقارب من 115 ألف ريال، الجمعية من طرفها قامت بإطلاق برنامج لرعاية غسيل دموي لمرضى الفشل الكلوي خدم منذ انطلاقته في عام 1428 أكثر من 700 مريض، وصرفت أكثر من 12 مليون ريال على العمليات المصاحبة للغسيل، ومن ثم فالجمعية ومن خلال خطابها دعت كتاب الرأي إلى حث القارئ على المساهمة في هذه الجهود من خلال برنامج التبرع الشهري عبر رسائل الجوال القصيرة حيث إن التبرعات السابقة التي تمت من خلال هذه القناة ساهمت في إجراء أكثر من 200 ألف جلسة غسيل دموي خلال العاميين الماضيين.
ولكن السؤال هو، هل يكفي أن يتوقف عمل الخير لدينا عند حدود التبرع المادي، وهو الحد الأدنى لما يمكن تقديمه؟ إن التطور الذي تشهده جميع المجالات اليوم في العصر الحديث انسحب أيضاً على مجال العمل الخيري وبات المتخصصون في الغرب اليوم يتحدثون عن رفع كفاءة العمل الخيري من خلال التعامل معه بنفس قواعد الاستراتيجيات التي تحكم عالم المال والأعمال (سبق طرحها في مقالة كاتب هذه السطور نحو إرساء مفهوم كفاءة الأعمال الخيرية عدد الوطن 2914 بتاريخ 21 /9 /2008)، إن 10 ريالات نقدمها شهرياً للجمعية كمساهمة لمرضى الفشل الكلوي ليست مبلغاً يذكر إذا ما قارناه بما يصرفه الجميع في أمور لا خير منها، ولكن التحدي الحقيقي أمامنا جميعاً سواء القائمون على الجمعية أو المجتمع هو أن نبحث عن طرق جديدة للإبداع في الأعمال الخيرية تضاعف من مردود العمل الخيري، لقد أخذ مجتمعنا خطوة بناءة وحقيقية نحو التكاتف من خلال إنشاء مثل هذه الجمعية، ولكن الأمل ألا يقتصر دورها مع الوقت على مجرد جامع للتبرعات، فهي يمكن لها أن تقود حراكاً اجتماعيا يدفع نحو إرساء فكرة التبرع بأعضاء المتوفين، وهو الأمر الذي لا يزال بعيداً عن ثقافة مجتمعنا وأعرافنا، وفي النهاية يظل مرضى الفشل الكلوي أوفر حظاً من غيرهم بوقوف رجل كالأمير عبدالعزيز بن سلمان خلف معاناتهم.