نحتاج هذه الأيام أن نعود إلى ذكريات مضت تمدنا بالطاقة كي نستمر، وإن لم نجد فلندخل إلى حياتنا لحظات سعيدة نسترقها من الزمن لتترك حلاوتها داخل أرواحنا العطشة

قد يستغرب البعض لماذا الكثير منا يتمسك بالذكريات ولا يتخلص منها، لأنها سلسلة من الأحداث الأليمة والسعيدة قد نعود إلى ما يؤلم ونحن غير راضين ولكن لنستخلص الدروس والعبر، بينما دائما نعود إلى السعيدة منها لنستمد القوة على المتابعة في هذه الحياة، خاصة خلال الأوقات الصعبة، لماذا نعود؟ لعلمنا الأكيد أن هناك في مكان ما في أعماق الروح ذكريات لا تتغير ولن تتغير، كما يتغير البشر.
أذكر من طفولتي الكثير من الذكريات الأليمة والسعيدة. اليوم سأركز على إحدى الذكريات السعيدة لأنني بحاجة لطاقة إيجابية تساعدني على تحمل عبء هذه الأيام من حياتي، هذا أولاً، أما ثانياً فلكي أبين لكم من أين جاءتني فكرة حبة السِكَّرة، التي أستخدمها لأسعد من حولي ولو بشيء بسيط مما أبثه من روحي بداخلهم كعربون محبة.
أجمل الأوقات لنا كان مطلع كل إجازة مدرسية لأننا كنا نقضيها مع جدتي في مدينة دمشق التي أعشق كل شيء فيها، أذكر أنه كان يوجد دكان قديم بالقرب من بيت جدتي يقيم في داخله رجل عجوز يبيع الطباشير والسكاكر، يناديه الجميع بالعم ميشيل، نمر عليه لنشتري بعض من الطباشير الملونة التي كان يصنعها بنفسه، نستخدمها في رسم المربعات على الرصيف ثم نتبارى في لعبة بيوت وحجر.. كم قضينا من الأوقات السعيدة ونحن نقفز وندفع الحجر بأرجلنا داخل المربعات فتختفي الخطوط ونعيد رسمها مرات ومرات، ولا نعود إلى المنزل إلا وقد تلونت الملابس مع الوجوه، وبالطبع نُستقبل بالموشح المعهود من جدتي قبل أن تدفعنا إلى داخل الحمام كخباز يدفع بالعجين إلى داخل الفرن ولا تخرجنا إلا بعد الاستواء، وفي اليوم الثاني نعود إلى نفس اللعبة ونحن نعلم ماذا ينتظرنا من عجن وفرك حتى تستوي جلودنا، كل ذلك حفر تضاريس هذا الرجل الطيب في أعماق ذاكرتي، أذكر كيف أن التجاعيد على وجهه وكفيه كانت تحدثنا عن زمن بعيد عاشه ولم نعرفه، كل ما فيه يشبه دكانه العتيق، لا تستطيع أن تفرق الأول عن الثاني، رجل لا تفارق وجهه الابتسامة، بل كانت تزداد إشراقا وبهاء.. كلما دخلنا عليه ننتشر في المحل، وعلى ضيقه كنا كالعصافير ندور حوله وبين يديه، لم يكن يأخذ منا ثمن الطباشير حين يجد أننا لا نملك ثمنها ويضيف دائما عليها حبة سِكَّرة يضعها في كف كل منا.. لا يمكن أن أعود إلى أيام الطفولة، دون أن يضيئها خيال ذاك العجوز الطيب وسَكاكره اللذيذة.
واليوم حين أحاضر للطالبات أحرص دائما على إضافة حبة سِكَّرة على طريقتي الخاصة، قد تختلف من شعبة إلى أخرى ومن مادة إلى أخرى، ولكن لا أنسى أن أترك عبقا جميلا في روح طالباتي، مرة أحدثهن عن التاريخ، ومرة عن القيم والمبادئ، ومرة عن الجمال والتواصل، أما أجمل ما أحب أن أشاركهن فيه فهي أبيات خالدة من الشعر العربي الجميل.. كل ذلك كي أترك في دواخلهن شيئا مني، كما فعلت معي قلوب عطرة مرت في حياتي فأخذت حيزا يسيرا من مخزون ذكرياتي وحولته إلى بستان من العبير، أعود إليه كلما ضاقت بي الدنيا.
وفي هذا الزمن نحتاج إلى أن نعود لأيام مضت تمدنا بالطاقة كي نتحمل ونستمر، وإن لم نجد فلندخل إلى حياتنا لحظات تترك حلاوتها داخل أرواحنا العطشة.. لحظات سعادة نسرقها من الزمن، ولهذا اسمحوا لي أن أهديكم أنتم أيضا حبة سَكَّرة لتساعدكم على الاسترخاء لدقائق.. لتسبح الروح دون قيود أو مشاغل؛ عزيزي القارئ اختر وقتا تكون فيه وحدك، ومن الإنترنت قم بتحميل مقطع لصوت المطر أو لصوت الطبيعة، ثم جهز كوبا من عصير التفاح المغلي مع قطعة من القرفة، وأغلق كل الإضاءة من حولك، وأصغ بكل كيانك؛ دع صوت الطبيعة يخترق روحك من الأعماق، تخيل نفسك بداخلها وهي تغمرك بسحرها شيئا فشيئا، هناك حيث أكبر وأقوى تواصل مع نفسك.. ومع كل رشفة من عصير التفاح تخيل أنك تدخل عبق هذا الجمال ليمتزج مع دمائك ويتناغم مع نبض قلبك، خزن هذه اللحظات لتستعيدها كلما دهمتك الدنيا بما يشعرك بضيق أو اختناق.. أغمض عينيك.. خذ نفسا عميقا وتذكر تلك السِكَّرة.. وتذكرني.