لا يمكننا تجاهل قامات وعمل من يصنعون النجاحات على اختلافها وتنوعها في حياتنا، أو التقليل من حجم منجزهم وقدراتهم هكذا، فتلك قسوة لا مبرر لها، وسلوك أقرب ما يكون إلى الجحود
لا يختلف اثنان على أن الإعلام أحد أهم أركان الحراك اليومي للإنسان، وبوصلة المجتمعات على كل مستوياتها ومذاهبها، وتعد الصحافة والقنوات المرئية بتنوعها من المؤثرات الشعبوية، شديدة الارتباط بإنسان اليوم على وجه التحديد، وصانعا رئيسا لشكل وطريقة تفكير وحركة النسيج الاجتماعي ووعيه إلى حد بعيد، مقدمة المجتمعات في قوالب متعددة شبيهة بأحجار الدومينو ذات الشكل الواحد والقيم المختلفة، ويرتبط كل ذلك دائماً بأشخاص يقفون على صناعة الفارق من مكان لآخر، واضعين بصماتهم الإبداعية استناداً إلى خبراتهم ومهاراتهم ورؤيتهم الخاصة للعمل والمهنية، من خلال تعاملهم مع الواقع وظروف اللحظة التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بذكاء منقطع النظير؛ لأنهم لا يؤمنون باحتكار الفكرة الإعلامية وسلوكها من جـهة، ويتماهون مع المتغيرات بما يفسر تألق استراتيجياتهم الناجحة.
ولا يمكننا ـ في الواقع ـ تجاهل قامات وعمل من يصنعون النجاحات على اختلافها وتنوعها في حياتنا، أو التقليل من حجم منجزهم وقدراتهم هكذا، فتلك قسوة لا مبرر لها، وسلوك أقرب ما يكون إلى النكران والتنكر والأنانية، في لحظة قد نقع فيها تحت سيطرة لغة أحادية تحاول الانتصـاف لأنا كبيـرة مختبئة، تتحجج تـارة بـالتـاريخ، وتارة أخـرى بـالتوجهات، وأحياناً كثيرة بما لا يرقى إلى مرتبة حجة وبيّنة!
هكذا وبكل بساطة، نحن نعقد الأشياء ونشرّع لمواقفنا ونبرر لقراراتنا على حساب المستقبل وروحه، ضاربين عرض الحائط بالدراسات العلمية لقياس معدلات النجاح والفشل، وأسس التقييم التي من المفترض أن تكون مسؤولة عن منطلقاتنا لبناء تلك القرارات والمواقف التي نتخذها ونتبناها، هكذا سنظل مجتمعات فقيرة على مستوى تقدير المنجزات وتحقيقها والاحتفاء بمن يقفون خلفها، راسمين مشهداً يكتنفه الغموض والارتباك، مما يعكس طريقة تفكيرنا المرتبكة، أو ارتجالية القرار المتعجلة ربما في أحايين كثيرة..!
في أسبوع واحد، ترجل عن الساحة الإعلامية رجلان يعدان قامتين إعلاميتين كبيرتين، لهما وزنهما ومنجزاتهما العظيمة، كالدكتور عثمان الصيني، والأستاذ عبدالرحمن الراشد، وهما الإعلاميان اللذان تركا خلفهما إرثاً ضخماً من الإتقان والتميز، وأسسا مدرستين مهمتين في العمل الإعلامي والقيادة، لكل منها نكهته ووزنه، ليس صعباً صنع مثيل موازٍ لها، ولكن من الصعب تجاوزها على المدى القريب ـ من وجهة نظري الخاصة ـ قياساً بتاريخيهما الحافل بنماذج العمل الاحترافي الرائع، وقد سبقهما في الرحيل عن المواقع الإدارية الإعلامية كفاءات كثيرة، كالأساتذة: قينان الغامدي، وجمال خاشقجي، وجاسر الجاسر وغيرهم كثير، ممن قدموا قيماً حقيقية للمهنة والمهنية.
هذا الرحيل قد يكون سنة كونية في ظروفها الطبيعية، ومناسبة مرحلية في دورة الحياة تؤكد الحاجة المستمرة إلى التغيير، وقد يكون على جانب آخر شيئا له علاقة بتقدير مستوى الأداء وحجم النجاح أو الفشل، فهذه أمور تحدث لا تدعو للتعجب للوهلة الأولى، لكن أسطر سيرة السجل العملي ترفض الذهاب إلى غير نقاط النجاح، وتلح في البحث عن مسوغات أخرى لها أبعادها التي لا علاقة لها لا بهذه ولا بتلك، كدافع فضولي قد يتبادر إلى الذهن بطبيعته وعفويته.
خسارات كثيرة مني بها الوسط الإعلامي السعودي مؤخراً، وأقول خسارات لأنها لا تقل عن وصف بهذا الحجم، وبالمقابل أتمنى أن يكون المستقبل مدهشاً بقدر ما تركه لنا أولئك العباقرة من إبداع ومسؤولية تبدو ثقيلة جداً.