سألت زميلي الألماني راينهارد حيث كنا نعمل معا في مشفى مارين في مدينة جيلزكيرشن ـ بور في منطقة الرور الصناعية في ألمانيا

سألت زميلي الألماني راينهارد حيث كنا نعمل معا في مشفى مارين في مدينة جيلزكيرشن ـ بور في منطقة الرور الصناعية في ألمانيا، في ثمانينات القرن العشرين، حيث كنت أتدرب على جراحة الأوعية الدموية: عفوا هل أنت متزوج؟ قال نعم؟ عفوا من جديد هل عندك أطفال آسف إن كان تدخلا مني في أمورك الشخصية؟ لا .. لا .. أبدا أجاب راينهارد ليس عندي أولاد وأستطيع الإنجاب وزوجتي مخصبة ولكن ليس في نيتنا أن نستولد الأطفال، ولماذا عفوا ما هي وجهة نظرك؟ سألت باهتمام من جديد، وكنا في ساعة رحمانية مسترخيين من الحوادث والعمليات، والرجل كان واضحا دقيقا يتابع اختصاصه من فرع لفرع، وكان في نيته أن يتمرن ـ ربما ـ على عشرة حقول طبية، وربما بعد الأوعية وهي سنتان أن يذهب لمدينة ركلنكهاوزن فيتمرن على مشاكل المستقيم والقولونات، وهي أكثر من أمطار الشمال، وإذا كان كل اختصاص يتطلب سنتين فقد كان مخططه أن يمضي عشرين سنة في رحلته الماراثونية، وهو رجل نادر رأيته في شعوب الشمال، وأمام سؤالي الأخير تأملني جيدا، وقال ولماذا الأولاد؟ وفي أي شيء سيفيدونني؟ هل سينفعونني في كبري؟ ويسندونني في شيخوختي وضعفي وسقمي ومرضي؟ جلّ ماسيفعلونه ـ إن أحسنوا صنعا ورأفوا بحالتي ـ أن يرموني في بيت مأوى للعجزة، وجوابه هذا يحمل أزمة المجتمع الألماني وتناقض الأجيال.
إن كلمة بيت عجزة مخيفة، فقد قرأت البارحة بحثا عن الحكم قضائيا على أكثر من واحد في ألمانيا لقيامهم بجريمة قتل كبار السن الضعفاء العجايز المساكين الذين هم تحت العلاج، ولا يملكون الدفاع عن أنفسهم، من ممرضين شباب ملوا من معالجتهم والاعتناء بهم؛ فحقنوهم بالسموم وقضوا عليهم؟ هكذا قال بعضهم في المحكمة لقد أرحناهم من هذه الحياة التي لا طعم لها ولا لون ولا رائحة.
إن الشيخوخة مخيفة حين تدب في المفاصل، وإن الطبيب راينهارد الذي ربما بلغ السبعين الآن قد يتذكر تلك المحادثة، أما أنا فقد منحني الرب خمس بنات بارات وستة أحفاد كما ذكر الرب في محكم التنزيل عن آياته أنه رزقنا بنين وحفدة ورزقنا من الطيبات.
كنت يوما في مدريد أزور صديقا لي قال لا بد لنا من المرور على دار رعاية كبار السن حيث يعمل صديق لنا، قلت لسفيان الصديق الحميم: هلم فلنزره معك، وكنت حريصا أن أرى مثل هذه المؤسسة وكيف تعمل في إسبانيا؟ إنني لا أنسى المنظر المريع أبدا، لقد تجمد عندي في الذاكرة فلا يبرح، وأخاطب نفسي بثلاث: اللهم لك الحمد على الإيمان. اللهم لك الحمد لا ينتهي على الصحة والنشاط. اللهم لك الحمد بقدر خلقك على العقل والنشاط الذهني. كان كبار السن في تلك المؤسسة في حافة مدريد في الحقيقة هياكل من الأموات جثثا، واحد نائم في كرسي يخر لعابه من فمه ولا يدري، واحد يستلقي على كرسي يحدق في الفضاء البعيد بدون نهاية، وثالث بالكاد يسحب رجليه لخطوات، ورابع بعكاز في شكل مهترئ في هيئة يرثى لها، والممرضة محتارة بين إطعام هذا، وتزبيط مرتبة ثالث، وتنظيف رابع من البول والقذارات.. كانت باختصار حفلة استقبال الموت يوميا، وإن نشب حريق ـ وقد حصل ـ ماتوا مثل صناديق قابعة لا تملك حراكا وهربا من موت زاحف.
البشر يشيخون هذا حق.. ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون.. وكلنا يريد أن يشيخ وكلنا يريد أن يعمر ويحافظ على الشباب، مثل من يريد أن يأكل من الكعكة ويحافظ عليها، وما هو بقادر على ذلك؛ فمن أكل انتهت الكعكة والحفلة، والشمعة تذوب مع الزمن فتلتهم نفسها، ومن أراد أن يجمد الزمن فهي حالة واحدة فقط بالتصوير؛ فالصورة تحبس الزمن للحظة، أما عموم الزمن فهو يتدفق بدون ماسك وصاد وحاجز إلا بالركوب على ظهر شعاع الضوء كما تقول النسبية. وهو مستحيل إلا بطريقين؛ الأول كما جاء في الحديث عن تحولنا إلى أجسام نورانية عن أول زمرة يدخلون الجنة أنهم على هيئة القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على أشد كوكب دري في السماء إضاءة.
وأما المعراج الثاني لكسر الزمن ولجمه ونفيه وحبسه فهي كما جاءت في القرآن عن جنة عرضها السماوات والأرض، حسب النظرية النسبية الخاصة بتوقف الزمن بكسب سرعة الضوء، أو النسبية العامة بالوقوف على كتلة لانهائية؟ ومن هذين يوقف الزمن فيبقى الشباب؟
ومن هذين المدخلين يقف الزمن فيذبح كأنه كبش أملح، وهنا ندخل فيزياء جديدة مختلفة عن الفيزياء التي نعرفها في حياتنا حين نرى في المنام أننا نطير مثل الطيور المهاجرة..
وأحيانا أقول في نفسي مع الموت قد ندخل عالما موازيا من مضاد المادة فتدخل الطاقة أجساما جديدة مع انقلاب شحنات الذرات، وإن الآخرة لهي دار الحيوان لو كانوا يعلمون؟ والله يعلم وأنتم لاتعلمون.