الوعي أو بداياته التي نلمسها في هذا الجيل والتي لا نريد لها أن تُصبح تطرفاً نقيضاً لـ'الصحوة' تحتاج

لو افترضنا أننا نستطيع قياس إيقاع الأحداث والأفكار التي تدور في المجتمع، وبعض التغييرات التي طرأت عليه أو التحديات التي يواجهها من خلال الهاشتاقات التي تتداول في تويتر، فإن الاطلاع على مثل الهاشتاق أو الوسم الذي يحمل اسم: #كيف_نجوت_من_الصحوة والذي نشط خلال الأسبوع الماضي بشكل لافت، يعد مثالاً صغيراً على الصراع الذي يدور في كواليس الحياة الافتراضية التي تمتد إلى الحياة الواقعية للغالبية العظمى من المجتمع.
تحدّث - وبتباين كبير - الكثير عن الصحوة التي قوي انتشارها وامتدادها في الثمانينات الماضية، وينبغي ألا نفصلها عن سياقات متعددة سبقتها وكانت معها وحدثت بعدها، وأهمها الثورة الإيرانية التي تعد خطاً موازيا لها، وحادثة جهيمان، بالإضافة إلى المد الإخواني داخل السعودية وسيطرته مع الصحوة السلفية على مفاصل الحياة، وجميعها لا تخلو من أهداف ومطامع سياسية.
الصحوة، وقد أسماها روادها بهذا الاسم لاعتبارهم أن الناس وقتها كانوا يعيشون في غفوة لأنهم لا يعتنقون مبادئهم ولا يسيرون على أفكارهم، كانت تناقض نفسها عاماً بعد آخر واستغلت بساطة الناس وحماس الشباب وانسياق العامة مع خضوع المؤسسات التعليمية والاجتماعية لهم وتواطؤ بعض المؤسسات الحكومية وغير الحكومية معها، خاصة أنها كانت تتكلم باسم الله، تبشر بالجنة وأنهارها وحور عينها لمن يتفق معها، وتتوعد بالنار وزقومها وثبورها من اختار طريق غيرهم أو رفض الانصياع لكل أو بعض تعاليمهم.
اللافت في هذا الوسم هو التفكير الساخر والناقد لذلك الأسلوب من الحياة الذي سيطر- ومازال- على المجتمع، بمعنى: نحن أمام جيل ناقد وواع، ولو كان انتقاده فيه نوع من التسطيح والتعميم الذي سيُنضجه الوقت والتجارب بلا شك. هذا الفرار من الموت للحياة مؤشر إيجابي على أن خُدع الصحوة ما عادت تنطلي على الجيل الحالي ولا القادم، والذي تبين له إما من تجارب شخصية مسّته أو أحد المقربين منه أو من خلال سماعه ورؤيته للتحولات التي حدثت على مدى الأربعين عامًا السابقة وحجم التناقض الذي يقع فيه دعاة الصحوة والسلفية بين ما يقال وما يعقل وبين ما يدعون إليه وما يعيشونه في واقعهم.
ما يستحق التوقف عنده وطرح التساؤل بجدية أكثر: هل نجونا فعلاً من الصحوة؟ ولماذا نتحدث عنها كأنها أمرٌ من الماضي وتجاوزناه؟ فبالنظر إلى الواقع بإنصاف نجدها ما زالت متشبثة في مفاصل حياتنا، متغلغلة حدّ العظم في مجتمعنا، تشكل قناعات وحيوات كاملة قائمة عليها. لهذا فالتحدث عن النجاة أمر سابق لأوانه، والضرر والجراح والموالون والمصدرون لهذه الغفوة مازالوا متسيدين المشهد بوعي أو بغير وعي.
فمادامت الفنون غائبة عن مجتمعنا ومحاربة بكامل مظاهرها الإنسانية في شوارعنا ومدارسنا، فنحن مازلنا نرزح تحت نير الصحوة، ومادامت المرأة مغيبة عن ممارسة حياتها بالكامل دون انتقاص وإقصاء لكونها أُنثى، ودون التعامل معها ككيان مستقل يملك حق الخيار والقرار، فمازلنا مصابين بلوثة الصحوة، ومادامت الأهداف السياسية والحزبية تتدثر بالدين ويروج لها بين الشباب المشحون بالكراهية للآخر والمستعد للتكفير والقتل والتفجير، فمازالت الصحوة تسيطر على أعظم ثروة في المجتمع، ثروة الشباب وحماسهم. ومادامت أساسيات المجتمع المدني والحريات الإنسانية محاربة ومنزوعة من حياتنا، فنحن مازلنا تحت تأثير هذه الحركات والتحزبات.
الصحوة التي يتباهى مؤيدوها وأتباعها حينما بدأت بالتمدد بعد حادثة جهيمان الشهيرة استطاعت الدخول للجامعات بأقسام ومناهج خاصة تروج لها وامتدت للإعلام المرئي والمسموع وفصلته حسب قياساتها المحدودة، وافتتحت جمعيات ومؤسسات وصناديق لجمع الدعم المالي اللازم لتحركاتهم، ووصلت للتعليم وتمكنت من خلال بعض المناهج والمعلمين وما يصاحب النشاط التعليمي من مراكز صيفية وحلقات تحفيظ وذكر. غير الكثير من المظاهر الأخرى التي لم يخل منها منزل ويروج لها بالأشرطة المسموعة والكتيبات التي تحذر من كل شيء وتُشكك في كل شيء.
الوعي أو بداياته التي نلمسها في هذا الجيل والتي لا نريد لها أن تُصبح تطرفًا نقيضًا لهذه الصحوة تحتاج للتوجيه حتى تكون مثمرة ومؤدية لخروج مجتمع متزن قادر على التعايش السلمي مع نفسه ومع الآخرين، وشتان بين من يرى في الصحوة نجاة له وبين من استطاع الخلاص منها بأقل الأضرار، ولن يفلح الأمر إلا إذا انطلق من الركائز الثلاث المهمة والفاعلة للتوعية والتوجيه السليم وهي: الأسرة والتعليم والإعلام، ويبقى للتعليم أثره الخاص فيما لو فشلت الأسرة والإعلام في أداء دورها المنوط بها.
نحن لا نحتاج إلى تعديل بالمدارس وتوسعة لها وتطوير للمناهج فقط، بل لا تؤتي هذه الأمور الشكلية ثمارها والمعلم مازال نمطي التفكير والعمل، يزرع نبتًا قد يؤتي أُكل سوء في صدر تلامذة يؤتمن على فكرهم الغض وأنفسهم البكر. فمتى كان في مدارسنا وجامعاتنا مربون ومعلمون مدركون لطبيعة التغير والتحدي الذي يحيط بنا، واعون بخطر هذه الحركات والتحزبات الدينية من صحوة وسلفية بكل فروعها، فسنطمئن ولن نتساءل لماذا يهرب أبناؤنا إلى داعش وأخواتها، وما داعش إلا وجه من وجوه الصحوة والسلفية وما يقومون به إلا وعودهم المؤجلة في دعواتهم السابقة.