من الضروري أن تقوم الهيئات العليا لكل من منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة بوضع سياسات استراتيجية محكمة للوصول إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية لمناسك الحج والعمرة والزيارة

في تفسير الآية الكريمة 28 من سورة الحج لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ، قال ابن عباس: المنافع هي منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان اللّه تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات.
الحج إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، فريضة على كل مسلم قادر على آداء مناسك الحج على الأقل مرة واحدة في حياته. والعمرة في الحرم المكي بمواسمها العديدة، إضافة إلى زيارة الحرم المديني الشريف، تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الشعائر التي يتطلع إليها كل مسلم في مختلف بقاع الأرض.
في النصف الأول من العام الحالي وصل عدد المسلمين في العالم إلى حوالي 1600 مليون مسلم، يقطن 70% منهم في دول العالم الاسلامي والباقي في دول العالم الأخرى. وتتوزع الدول الإسلامية على أربع قارات، منها 26 دولة في أفريقيا، و27 دولة في آسيا، ودولتين في أمريكا الجنوبية هما سورينام وغويانا، ودولة واحدة فقط في أوروبا هي ألبانيا.
إذا افترضنا أن 60% من عدد المسلمين في العالم يتوجب عليهم أداء فريضة الحج خلال فترة أعمارهم التي تتراوح بين 20 إلى 50 سنة، فإن ذلك يعني أن هنالك حوالي 960 مليون مسلم جاهز لأداء مناسك الحج مرة واحدة على الأقل كل 30 عاماً، أي بواقع 32 مليون حاج كل عام. هل يعد صعبا استيعاب كل هذا العدد في كل موسم حج؟ وإذا افترضنا أن هنالك عدداً مماثلاً من المسلمين القادمين لأداء مناسك العمرة والزيارة على مدار السنة، فإن العدد الإجمالي للمسلمين القادمين للمملكة لأداء المناسك يساوي 64 مليون مسلم سنوياً. وحيث إن الدراسات العديدة تشير إلى أن متوسط مصروف كل حاج ومعتمر وزائر لأداء مناسكهم في الأراضي المقدسة يساوي 10,000 ريال، شاملاً وسائل النقل والإقامة والإعاشة، فإن الاقتصاد المحلي سيحقق دخلاً من مواسم الحج والعمرة والزيارة يساوي 640 مليار ريال سنوياً، ليزيد عن إجمالي إيرادات المملكة من النفط والغاز وغيرهما المقدرة بمبلغ 470 مليار ريال، كما جاء في الميزانية السنوية لعام 2010، والتي تعتبر أضخم ميزانية في تاريخ السعودية.
كما تشير الدراسات إلى أن كل حاج أو معتمر أو زائر ينفق 25% من إجمالي مصروفه على الإقامة والسكن و15% على النقل الجوي و14% على التغذية و12% على الملابس و10% على الوقود والمحروقات و7% على الاتصالات و6% على النقل البري والبحري و11% على الصحة والخدمات الأخرى، مما يؤدي إلى ارتفاع مقدار العائد الاقتصادي على هذه القطاعات، خاصة إذا كانت هذه الخدمات تقدم من قبل الشركات الوطنية في منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة.
كما تشير الدراسات العديدة في هذا المجال إلى أن الحاج والمعتمر والزائر يتطلع إلى اقتناء الهدايا التي تمنحه الذكرى العطرة لمناسكه في البلاد المقدسة، ولنا أن نتصور الكم الهائل والعوائد الضخمة المحققة من تسويق المقتنيات والذكريات لحجاج بيت الله الحرام والحرم النبوي الشريف.
وبدلاً من السماح للمنتجات الصينية والهندية بإغراق أسواق منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، التي قلما تجذب أنظار وجيوب المسلمين لكونها لاتمت بصلة لمواقع الحج والعمرة والزيارة ولا تخلّد ذكريات مناسكهم، بإمكان أسواقنا أن تكون مركزاً مرموقاً لتسويق منتجاتنا الوطنية التي تحقق متطلبات شعوب العالم الإسلامي وتخلّد ذكريات زيارتهم لهذه البلاد الطاهرة.
جميع التقارير الاقتصادية لمناسك الحج والعمرة والزيارة، والتي صدر آخرها في جريدة الاقتصادية قبل ثلاث سنوات، تشير إلى أن السعودية قد تفقد سنوياً 40 مليار ريال لعدم وجود المصانع الوطنية القادرة على تلبية متطلبات الحج والعمرة، وذلك في حال التوسع في نظام العمرة والوصول إلى 8 ملايين معتمر في العام الواحد.
من الضروري أن نبدأ بتخصيص المناطق الصناعية والخدمية القريبة من مشارف منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة وتشجيع المنتجات الوطنية الهادفة لتوفير متطلبات الحج والعمرة والزيارة. ومن الضروري أن نبدأ بحصر أنواع المنتجات الصناعية التي يتطلبها الحاج والمعتمر والزائر وتوفير دراسات الجدوى الاقتصادية لتصنيعها وتشجيع رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية على الاستثمار في إنتاجها وتسويقها.
ومن الضروري أن تقوم الهيئات العليا لكل من منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة بوضع سياسات استراتيجية محكمة للوصول إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية لمناسك الحج والعمرة والزيارة، بدءا بتحديث ورفع القدرات الاستيعابية للمطارات الدولية ومرافق الخدمات الأساسية والفنادق والمباني السكنية، لتصل نسبة إشغالها إلى 100% على مدار السنة.
بإمكان منطقة مكة المكرمة أن تكون موطناً لأفضل الصناعات الغذائية والجلدية والمعدنية، وبإمكان منطقة المدينة المنورة أن تصبح محطةً لأكثر تقنيات العالم تقدماً وأعظمها دخلاً. وإذا كان متوسط إنفاق مليوني حاج ومعتمر يصل إلى 35 مليار ريال في موسم واحد، فلنا أن نتصور مقدار إنفاق 64 مليون حاج ومعتمر في العام الواحد.
نحن نعيش اليوم عصراً مليئاً بالفرص والتحديات والمتغيرات، ولا توجد فرصة اقتصادية واحدة في العالم تشابه مواسم الحج والعمرة والزيارة، لكونها تنفرد بثبات معطياتها أمام كافة المتغيرات، ولأنها الفرصة الدائمة الوحيدة ما دامت الحياة تدب في بطن الأرض.