درجة التفاخر عندنا يعلو إيقاعها عندما نقارن تجربتنا التنموية بكثير من الدول العربية التي سبقتنا في مدارج التنمية ثم تجاوزناها، لكن ذلك كله لا يشفع لنا أن نرفع مستوى الثناء إلى درجة التكاذب

نعمد أحياناً إلى إنصاف أنفسنا وإنصاف تجربتنا التنموية مقارنة بما كنا عليه، ثم ما صرنا إليه من تغير إيجابي، ونمو متسارع في القطاعات كافة.
كذلك فإن درجة التفاخر عندنا يعلو إيقاعها عندما نقارن تجربتنا التنموية بكثير من الدول العربية الشقيقة التي سبقتنا في مدارج التنمية ثم تجاوزناها ولله الحمد، لكن ذلك كله لا يشفع لنا ولا يبرر أن نرفع مستوى الثناء وصولاً إلى درجة التكاذب والمبالغة بما يدخلنا في درجة موغلة من السخرية التي تضحكنا وتضحك علينا.
فمثلاً انتشرت قبل فترة في الوسائط الذكية تشنيعة تقول إن إحدى الدول الأجنبية تعتزم الإفادة من تجربة المملكة في الإسكان! وقد تم تناقلها في الأوساط الاجتماعية والوسائط الإلكترونية لأيام عديدة، وصارت هذه الحكاية ملح المجالس، وفاكهة الصوالين وتكفلت بتوسيع صدور الناس وإسعادهم، وبين نفي الخبر وإثباته فقد علق البعض على أن الخبر غير قابل للتصديق إلا باعتبار أن الدول الأخرى يمكن لها أن تتجنب فشل الإسكان إذا أمكنها تجنب تجربة الإسكان السعودية.
ثم تمادى التكاذب من خلال نشر أحد المواقع لأحد الأخبار التي تصب في السياق نفسه عن تجربة التعليم في المملكة، التي كما أورد الخبر لفتت أنظار إحدى الدول الأجنبية مما حرضها على إبداء الرغبة في استنساخ طريقتنا التعليمية الرائدة! ولا بد أن الشك وضعف المصداقية يداهمان هذا الكلام على نحو يجعلها أقرب للمزحة الثقيلة وأن من فبركها بهذا الزخم الكاريكاتوري قد تعمد التنكيت عبر قناة جلد الذات.
ويفوق كذبة الاستفادة من تجاربنا الخلاقة في الإسكان، وفي التعليم حديثنا المتواصل عن سلسلة المشاريع التنموية والأرقام المليارية المرصودة لتنفيذها، ويقابل هذا الضخ الإعلامي والبشائر التي تعدنا بالإنجاز إخفاق هذه المشاريع الموعودة على أرض الواقع، وذلك بسبب التعثر فكلما انتظرنا طال انتظارنا، وكلما انتظرنا الحصاد فات الميعاد وكلما تجهزنا وأحضرنا المقص لشريط الافتتاح قيل لنا إن المشروع ما زال متعثراً.
وهكذا تتعسر ولادة مشاريعنا وبعضها بحكم الاضطرار والضرورة يتم تدشينها ولو قيصرياًّ على أن يستكمل الإنشاء تباعاً.
وستلاحظ أن الكلمة الدارجة تعثر هي الأكثر تعبيراً عن التأخر والإخفاق في تنفيذ المشاريع، وهي مستنبطة أصلاً من تعسر الولادة التي تمر ببعض حالات الحمل والوضع، وهكذا فإن كلمة تعسر أكثر بلاغة وأقرب توصيفاً لحالة مشاريعنا التي يعلن عنها ونستبشر بها بعد أن تسخر لها الإمكانات مصحوبة بالإرادة الشعبية لكنها للأسف تواجه دائماً بسوء الإدارة وضعف الرقابة والمتابعة، وبقدر كبير من غياب العقوبة وتطبيق النظام في حق المقاول الذي يقوم بتقسيم المشروع وتسليمه بالباطن على دفعات لأكثر من مقاول صغير في إمكاناته وخبرته، وهكذا تتشتت الجهود وتتبعثر المسؤولية وتتضارب الأدوار ويضيع دم المسؤولية بين عجز المقاولين وكثرتهم.