أسهمت ملتقيات الاستثمار المتعددة في سد الفجوة المعرفية بين مستثمري الخليج والمغرب. وبالمثل يهدف فريق العمل الخليجي المغربي المتخصص في التجارة والاستثمار إلى سد الفجوة على المستوى الرسمي

أكتب هذا الأسبوع من الدار البيضاء، حيث عُقد الملتقى الرابع للاستثمار الخليجي - المغربي (28 - 29 نوفمبر)، مستقطباً عدداً كبيراً من رجال وسيدات الأعمال في المغرب والخليج. وهو أحدث لبنة في بناء الشراكة الاستراتيجية بين مجلس التعاون والمغرب التي بدأت منذ عامين.
تحدث رئيس الوزراء المغربي عبدالإله بن كيران في الملتقى، بإقناعٍ، عن العلاقات الوثيقة بين المغرب والجزيرة العربية، منذ أيام الإسلام الأولى، وربطها بالشراكة الاستراتيجية الخاصة التي تتمتع بها المغرب مع مجلس التعاون، وأرسيت دعائمها في عام 2012 باتفاق بين القيادات السياسية.
وهي شراكة تسير بخطى متسارعة على مستويات عدة. فعلى المستوى الرسمي، أقر وزراء خارجية دول المجلس والمغرب خطة العمل للفترة (2013 - 2018)، وتنص على أهداف مرحلية يسعى الجانبان لتحقيقها، وآليات لتحقيق تلك الأهداف، وعقدوا اجتماعهم الرابع الأسبوع الماضي (25 نوفمبر) في الدوحة. وتقوم اللجنة المشتركة (من كبار المسؤولين بوزارات الخارجية والأمانة العامة لمجلس التعاون) بمتابعة وتقييم (15) فريق عمل متخصصاً في مجالات مختلفة من خطة العمل، مثل التجارة، والاستثمار، والبيئة الطاقة المتجددة، والتعاون القانوني والقضائي، والتعليم، والبحث العلمي، والتنمية الاجتماعية، والثقافة والشباب، وغيرها.
ويدعم هذه الشراكةَ منحةٌ قيمتها خمسة مليارات دولار تعهدت بها دول المجلس (الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، قطر، الكويت) لتمويل مشاريع التنمية والبنية التحتية في المغرب خلال الفترة (2012-2017).
وما زال حجم التجارة محدوداً بين مجلس التعاون والمغرب، ولكنه في نمو مستمر. فلا يتجاوز حالياًّ (4) مليارات دولار، ولكنه تضاعف خمس مرات منذ عام 2003، حين كان في مستوى (700) مليون دولار فقط، مما يشي بإمكانات النمو مستقبلاً. ويشكل الاقتصاد الخليجي، الذي يبلغ حجمه (1.75) تريليون دولار، سوقاً واعدة للصادرات المغربية الزراعية. ولكن معظم تجارة المغرب حالياً مع الاتحاد الأوروبي الذي يرتبط معه باتفاقية شراكة. ويعي المغاربة أهمية تنويع وجهة صادراتهم حتى لا تظل رهينة تقلبات الاقتصاد الأوروبي الذي يعاني من الركود حالياًّ.
وتشكل السياحة مجالاً آخر للنمو، حيث تسهم بنحو (9) بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للمغرب. ولم تتأثر المغرب كثيراً بالربيع العربي، حيث بلغ عدد السياح العام الماضي (10) ملايين، بزيادة (7) بالمئة عن 2012. ويُقدر ما أنفقه سياح الخليج في 2013 بنحو (418) مليون دولار. وفي اجتماع خُصص لمناقشة السياحة في ملتقى الاستثمار هذا الأسبوع، ناقش المستثمرون أهمية السياحة الثقافية والعائلية التي يحرص عليها سياح الخليج، خاصة أن المغرب يحتضن بعض أهم المعالم التاريخية الإسلامية، فضلاً عن تنوع الثقافة المغربية وثرائها.
وبالإضافة إلى ذلك، يبعث المغاربة المقيمون في الخليج بتحويلات تجاوزت المليار دولار، تسهم في تنمية بلادهم.
وعلى الرغم من أهمية هذه العناصر الأربعة: (المساعدات، التجارة، السياحة، التحويلات) في رفد التنمية في المغرب، فإن الاستثمار هو المجال الواعد والأكثر أهمية على المدى البعيد، ويعود بالفائدة على الجانبين ويدعم الشراكة الاستراتيجية بينهما، سواء في ذلك الاستثمارات الخاصة أو العامة. فالاستثمار يساعد في توفير فرص العمل وتحسين وضع ميزان المدفوعات، ويسهم في رفع معدلات النمو الاقتصادي، في حين يوفر مردوداً مجزياً للمستثمرين.
وجاء ارتفاع معدل الاستثمارات الخليجية في الوقت المناسب، متزامناً مع الأزمة المالية العالمية، فساعد على حفاظ المغرب على معدلات نمو جيدة على الرغم من الركود الاقتصادي لدى شركائه التقليديين في أوروبا. وحافظت المغرب على مكانتها كوجهة مفضلة للاستثمار الأجنبي. وكانت الحكومة قد أعلنت هذا العام عن أن حجم الاستثمار الأجنبي في المغرب قد تجاوز (20) مليار دولار في عام 2013، حيث قفز بنسبة (24) بالمئة خلال عام واحد.
وليست هناك أرقام دقيقة عن حجم الاستثمارات الخليجية في المغرب، ولكن يُعتقد أنها تجاوزت (2.8) مليار دولار في 2013، أي ما نسبته نحو (16) بالمئة من حجم الاستثمارات الأجنبية. ويعتقد أنها واصلت الارتفاع في 2014. فقد تم تأسيس صندوق استثماري جديد باسم (وصال كابيتال) تقدر قيمته بـ(3.4) مليارات دولار، ويتألف من خمسة صناديق سيادية من المغرب (الصندوق المغربي للتنمية السياحية)، والإمارات (آبار)، والسعودية (صندوق الاستثمارات العامة)، وقطر (قطر القابضة)، والكويت (صندوق الأجيال).
ويركز (وصال) على تطوير البنية التحتية للسياحة، فبدأ بمشروعين كبيرين، الأول لإعادة تأهيل ميناء الدار البيضاء، بتكلفة (737) مليون دولار، ويستهدف إعادة تأهيل الواجهة البحرية والمدينة القديمة وبناء فنادق ومعالم سياحية أخرى. ويركز المشروع الثاني على مدينتي الرباط وسلا، ووُقعت في مايو 2014، بحضور الملك محمد السادس، الاتفاقيات الخاصة بتنفيذه، بتكلفة (983) مليون دولار. ويستهدف إنشاء مركز ثقافي وترفيهي جديد. ويتوقع أن يكون المشروع الثالث في طنجة.
وما زالت لدى المغرب إمكانات لاستيعاب استثمارات أكبر. ولكن مما سيساعد في اجتذابها الإصغاء إلى المقترحات التي طُرحت في الملتقى الرابع للاستثمار الخليجي المغربي وسابقاته. وليس هنا مكان معالجة مفصلة للبيئة الاستثمارية في المغرب، ولكنني سأوجز بعض النقاط التي طرحتُها في كلمتي أمام ملتقى الدار البيضاء، حول مشاغل المستثمر الخليجي. فالمستثمرون الجدد، خاصةً، يحتاجون إلى مساعدة للحصول على التراخيص المختلفة وتجنب الصعوبات المعروفة، وكذلك في حالة ظهور إشكالات وعراقيل خلال فترة استثمارهم في المغرب، فالبيئة القانونية والتنظيمية في المغرب تختلف كثيراً عن مثيلاتها في الخليج.
ومن المهم كذلك توفير الضمانات المالية والقانونية والإدارية لتشجيع المستثمرين الجدد. أما التحديات المتعلقة بعدم كفاية البنى التحتية، وهي تحديات حقيقية لصغار المستثمرين، فتوفر فرصاً مواتية لكبارهم، كما رأينا في مشاريع (وصال) في الدار البيضاء والرباط وسلا، وطنجة قريباً.
أسهمت ملتقيات الاستثمار المتعددة في سد الفجوة المعرفية بين مستثمري الخليج والمغرب. وبالمثل يهدف فريق العمل الخليجي المغربي المتخصص في التجارة والاستثمار إلى سد الفجوة على المستوى الرسمي، فيسعى لتحقيق تكامل أكبر بين البيئة التنظيمية في المغرب ونظيرتها في إطار مجلس التعاون، بما يساعد على زيادة معدلات التجارة والاستثمار ورفاه المواطنين في جناحي العالم العربي.