إذا أقررنا أن الطفل يفهم فإن من أولى العبارات التي سينطق بها هي: أنه يريد اللعب. هنا الطفل يفهم أن هذا السلوك هو ما يجعل حياته أجمل. هذا التعبير يفترض أن يتحول إلى أساس لاستحقاق الطفل للعب
تضمنت المقالة الماضية فكرتين رئيستين: الأولى، تصور اللعب على أنه النمط الأفضل من العيش للأطفال. باختصار هو السلوك الأفضل الذي من خلاله يمارسون طفولتهم ووجودهم. اللعب هنا ليس نشاطا بلا هدف كما ينظر له كثيرا. على العكس، هو نشاط يتضمن أهدافه وبالتالي له معنى وقيمة عند صاحبه. الفكرة الثانية، أن أهداف اللعب يمكن التعامل معها تربويا لتخدم حياة الطفل بدون حرمانه من اللعب. بمعنى آخر يمكن تربية الطفل من خلال اللعب. هذه التربية واعدة لأنها باختصار تتوافق مع تركيبة الطفل الذهنية وبالتالي نتائجها أفضل بالتأكيد. من هاتين الفكرتين استنتج كثيرون أن اللعب حق من حقوق الطفل، وأن التربية باللعب هي التربية التي يفترض أن نمارسها لكي نتوافق مع حق الطفل علينا. هذا المقال سيكون تفصيلا في تلك النتائج.
في البداية ماذا يعني أن يكون لإنسان ما حق؟ هناك تصورات مختلفة في نظريات الحق ولكن غالبيتها تتفق على أن كون للإنسان حق يعني أنه يملك القوة القانونية والأخلاقية في تحقيق آثار هذا الحق. بمعنى أن لو قلنا إن للطفل حق التعليم فإن هذا يعني أن للطفل القوة القانونية في أن توفر له الجهة المسؤولة عن التعليم تعليما كافيا. في حال لم تقم تلك الجهة بهذه المهمة فإنها تعتبر ارتكبت تجاوزا على هذا الإنسان يستوجب التعويض والعقوبة. بهذا المعنى فإن عبارة اللعب حق من حقوق الأطفال تعني أن الجهات المسؤولة عن الأطفال (أسرة، مدرسة، تخطيطا بلديا واجتماعيا.. الخ) مسؤولة أمام القانون عن توفير الظروف المناسبة والوقت للأطفال لممارسة اللعب. بهذا المعنى فإن القانون يعاقب الأب الذي يمنع أطفاله من اللعب، ويعاقب وزارة التربية التي لا توفر أماكن مناسبة ووقتا كافيا للعب، ويعاقب البلدية التي لا توفر أماكن للعب مناسبة وكافية في الحي للعب الأطفال، ويعاقب الشرطة التي لا توفر الأمان في أماكن لعب الأطفال... الخ.
هذه اللغة الحقوقية القانونية تمثل جزءا من المشهد. الجزء الآخر يتمثل في الوعي والثقافة التي يمكن أن تجعل تلك اللغة الحقوقية ذات معنى وأثر. بمعنى أن الشروط الفكرية والثقافية في المجتمع هي من تجعل للقوانين أثرا على الواقع. حق الطفل في اللعب سيواجه مقولات ثقافية واجتماعية متعددة تعمل في الاتجاه المعاكس. المقولة الأولى والتي كانت موضوع المقالة السابقة هي مقولة أن اللعب نشاط بلا هدف وبالتالي فهو مضيعة وقت. في المقابل التصورات الأقرب لسيكولوجية الطفل وخبرته المباشرة توضح أن اللعب نشاط بهدف، وأنه يمكن تزويده بأهداف إضافية. المقولة الأصعب برأيي والأكثر عمقا في الثقافة المحلية أن الطفل لا يفهم وأنه يمكن إدارته بشكل شبيه بإدارة بقية الحيوانات. من علامات هذه المقولة في السلوك عدم تبرير المسؤولين عن الأطفال (أهلاً، معلمين.. الخ) سلوكهم للطفل. بمعنى أنهم لا يعتقدون أن الطفل قادر على فهم أفكارهم، ولذا فهم لا يشرحون للطفل مبررات سلوكهم معه. لذا تحل طبيعة الأوامر والنواهي بدلا من الحوار والنقاش. هذه المقولة عائق لفكرة حق الطفل باللعب لأنه من المباشر الاستنتاج من مقولة أن الطفل لا يفهم بأن اللعب عند الأطفال هو سلوك غير ناتج عن فهم وبالتالي فهو بلا معنى. من هذا المنظور فإن تأسيس حقوق أو تربية بناء على تجربة الطفل وخبرته المباشرة للحياة أمر بلا معنى أيضا. مقولة أن الطفل لا يفهم تجعل من التعامل معه تعاملا مبنيا على تراتبية هائلة في طرفها الأول من يفهم وفي طرفها الآخر من لا يفهم. العلاقة هنا ستتحول إلى علاقة قيادة وتبعية يفقد فيها الطفل أي دور في قيادة حياته الخاصة.
لكن هل الطفل فعلا لا يفهم؟ أعتقد أن هذا تصور خاطئ للطفل. الطفل يفهم وبشكل مفاجئ أحيانا. المهم هنا أن نستوعب أن الطفل يفهم في حدود تجربته الحياتية كما يفهم البالغون في حدود تجربتهم الحياتية الخاصة. هذا يكفي، بمعنى أن إدراك الطفل لكثير من المعاني والعلاقات في تجربته الصغيرة يكفي لأن يكون قادرا على فهم ما يتعلق بحياته. مثلا: الطفل قادر على فهم معنى وقيمة وآثار علاقاته مع الأطفال الآخرين. الطفلة قادرة على فهم معنى أنها لا تكذب على صديقاتها وأصدقائها، أن تحترم خصوصياتهم، أن لا تقول ما يؤذي مشاعرهم. كل هذه السلوكيات لها آثار مباشرة في حياة الطفلة تستطيع أن تفهمها بشكل دقيق وواضح. الخلاصة أن الطفل قادر على فهم ما يتعلق بحياته الخاصة وهذا يكفي أن نؤسس علاقة تحترم هذه القدرة عندما تتعلق الأمور بحياته الخاصة. هذا يعني أن نلتزم للطفل بشرح المعاني والأهداف خلف الأمور التي نرغب منها فعلا. بالإضافة إلى الالتزام بأن تكون تلك الأمور تسعى لإثراء حياة الطفل بدلا من أن تسعى لتحويل حياته إلى أداة نحقق من خلالها أهدافنا نحن. هذا يعني أيضا أن نلتزم بأن يمارس الطفل حقه في توجيه حياته مع إشراف ومتابعة من الأهل الذين يتحركون في اتجاه توفير تربية تسعى لأن توفر للطفلة الظروف الأفضل والمهارات الأجود لكي تتولى هي زمام إدارة حياتها بالكامل متى ما زادت تجربتها في الحياة.
إذا أقررنا أن الطفل يفهم فإن من أول العبارات التي سينطق بها هي: أنه يريد أن يلعب. هنا الطفل يفهم أن هذا السلوك هو ما يجعل حياته أجمل وأسعد. هذا التعبير يفترض أن يتحول إلى أساس لاستحقاق الطفل للعب كما تتحول رغباتنا مثلا في الأمن إلى أساس لاستحقاقنا للأمن. الطفل الذي يفهم حياته يريد أن يلعب. هذا اللعب يمكن متى ما تم توجيهه بشكل جيد أن يكون طريق التعليم والتربية. الكرة في ملعب الكبار فالأطفال قاموا بواجبهم.