لم تكن التدخلات العسكرية الأمريكية في العالم الثالث، تنتهي دائما بانتصارات حاسمة، بل كانت هناك هزائم متكررة في عدد من البلدان. مما سرع من عملية استنزاف الطاقات الأمريكية، على مختلف الصعد

تؤكد الدراسات التي تُعنى بنشوء وسقوط الإمبراطوريات، أنه ما من إمبراطورية كبرى أخذت مكانها على وجه البسيطة، إلا وتوسعت خارج حدودها. وقامت باحتلال بلدان أخرى. ولم يكن ذلك، بالنسبة لعامة الناس عملا مقيتا أو غير مقبول.
لقد استمر العمل بحق الفتح بين الدول، إلى أن تشكلت عصبة الأمم، إثر إعلان الرئيس الأمريكي، ويلسون إقرار مبدأ حق تقرير المصير، في نهاية الحرب العالمية الأولى، وأقدمت العصبة على إلغاء حق الفتح. كما توضح هذه الدراسات أنه بقدر ما تتسع حاجة الإمبراطوريات إلى المال والثروة، بقدر ما تندفع أكثر نحو الفتوحات والهيمنة وغزو البلدان، والسطو على ثروات الشعوب الأخرى، طمعا في حل مشاكلها الداخلية، وتلبية احتياجاتها. لكن هذا الاندفاع الذي يراد له أن يكون مخرجا للأزمة، هو عقب إيخيل، الذي يتسبب في انهيار الإمبراطوريات السائدة، لتشيد على أنقاضها ممالك أخرى، في دورات تاريخية متعاقبة، لا تعرف التوقف.
هذه المقدمة، تقودنا إلى الحديث عن تداعيات سبتمبر، وحصادها المر. وهو موضوع بدأنا بمناقشته في الحديث السابق. عاشت الولايات المتحدة الأمريكية، في عزلة خلف المحيط الأطلسي لحقب طويلة، ولم تخرج من هذه العزلة إلا في بدايات القرن العشرين. ارتبط خروجها الكاسح إلى العالم القديم، بالحربين الكونيتين، واتجهت في مشاريعها العسكرية والاقتصادية والسياسية، بسرعة تسابق سرعة الضوء، وتمكنت من الانتشار في عموم أرجاء الكرة الأرضية. وإثر انتهاء الحرب الكونية الثانية، أصبحت أضلع قوتها العسكرية، وتحالفاتها الاستراتيجية تمتد لمختلف أصقاع الأرض، ونشرت مظلتها فوق أوروبا الغربية، وتم بناء قوة عسكرية، بقوة تدميرية هائلة طوقت المنظومة الاشتراكية، من الشرق والغرب والجنوب. وكانت سرعة الانتشار والتوسع الأمريكي غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، بكل المقاييس. ومن غير شك أن كلف الانتشار كانت عالية وباهظة، بالنسبة لدافعي الضرائب من الأمريكيين. كانت كلف الانتشار العسكري، في مواحهة هتلر عالية جدا، ثم أعقبها مشروع مارشال، الذي تكفل بإعادة إعمار ما خلفته الحرب العالمية الثانية، في أوروبا الغربية، إلى المساعدات التي قدمت للحلفاء في الهند الصينية، وكلفة الحروب التي شنت سواء بشكل مباشر، كما هو الحال في كوريا وفيتنام وكمبوديا ولاوس، أو حروب الوكالة، التي شنها حلفاء أمريكا في القارات الثلاث، وبشكل خاص حروب الكيان الصهيوني ضد الأمة العربية,
لقد تمكنت الإدارات الأمريكية المختلفة، من الحفاظ على وثيرة الصعود الأمريكي، بنسب متفاوتة، في الهيمنة على العالم. لكن الصعود ـ كما أشرنا ـ قابله استنزاف كبير لطاقات البلاد الاقتصادية والطبيعية. إضافة إلى أن المجتمع الأمريكي، قد تمتع ببحبوحة ورغد عيش لم تتوفر لأي من المجتمعات الإنسانية الأخرى.
لم تكن التدخلات العسكرية الأمريكية في العالم الثالث، تنتهي دائما بانتصارات حاسمة، بل كانت هناك هزائم متكررة في عدد من البلدان. مما سرع من عملية استنزاف الطاقات الأمريكية، على مختلف الصعد. وبينما كانت هذه الإدارة مشغولة بمسؤولياتها العالمية كقوة عظمى، كان حلفاؤها في اليابان وفرنسا وألمانيا، يكرسون جهودهم، لزيادة وتحسين الإنتاج، بحيث أصبحت هذه الدول، منذ بداية السبعينيات تنافس الإدارة الأمريكية اقتصاديا على الساحة الدولية.
بدأ الإحساس الأمريكي، بمخاطر النمو الاقتصادي الياباني والأوروبي الغربي، منذ مطالع السبعينيات، وطرحت إدارة الرئيس نيكسون موضوع السيطرة على النفط، وتوجيه عملية تصديره في الأسواق العالمية. وفي هذا السياق، رأت أنه لا بد من السيطرة على منابع النفط، وتوجيه حركتها، إنتاجا وإدارة لكبح جماع الصعود الاقتصادي المتسارع لتلك الدول. أشار إلى ذلك بوضوح، مستشار الرئيس نيكسون لشؤون الأمن القومي، ووزير خارجيته فيما بعد، هنري كيسنجر، في مذكراته. كما ورد ذلك في تصريحات لديفيد روكفلر. لقد مارست الإدارات الأمريكية المختلفة ضغوطا على هذه الدول، لرفع أسعار صرف عملتها، للحد من قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. لكن تلك المحاولات وتلك الضغوط لم تؤد إلى لجم صعود اقتصادات تلك البلدان. والأخطر من ذلك، أن المارد الصيني التحق، بعد فترة وجيزة بهذه البلدان، ودخل الأسواق العالمية بسرعة مذهلة، وتفوق على الجميع من حيث سرعة انتشار منتجاته في جميع أسواق العالم، بما في ذلك أسواق الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، وأوروبا الغربية.
وحين نأتي إلى التراكم التاريخي، الذي كان مدخل مناقشتنا في الحديث السابق، فإن الولايات المتحدة كانت تنوء بثقل أعباء مسؤولياتها، وكانت تعالج مشاكلها، بتفعيل الانكماش الاقتصادي أحيانا، والمبالغة في رفع حالة التضخم في أحيان أخر. وكانت أزماتها تتبدى واضحة وفاضحة عند أي مفصل جديد، من مفاصل الانتقال في سياساتها.
حدث ذلك أثناء احتفالات النصر بهزيمة دول المحور، وحدث ذلك، أثناء استعار الحرب الباردة، وبعد الهزيمة في الهند الصينية. وحدث ذلك أثناء مهرجان الفرح بانتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية، وحدث أيضا، بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، بهزيمة الجيش العراقي، حيث أدت الأزمة الاقتصادية إلى خسارة الرئيس جورج بوش الابن في الدورة الانتخابية الثانية، وفوز بيل كلينتون بالرئاسة.
تداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك والعاصمة واشنطون، لا يمكن قراءتها بشكل موضوعي، خارج إطار هذا التحليل. فالحدث ذاته، رغم جسامته، لا يبرر ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية، من انتهاكات للقانون الدولي وشرعة الأمم. وإقحام العراق، في الحرب العالمية على الإرهاب، لا يمكن فهمه خارج إطار المشروع الإمبراطوري للقرن الحادي والعشرين، والمتمثل في الهيمنة على منابع النفط في العالم، واعتبار ذلك محطة لازمة للجم النمو الاقتصادي، للصين وألمانيا واليابان وفرنسا.
لكنه القانون الطبيعي، لسقوط كل الإمبراطوريات في التاريخ الإنساني، لا يستثني الأمريكيين، من حساباته. فما حسبه الأمريكيون مفتاحا، يتمكنون من خلاله من فتح خزائن الأرض، تحول إلى كابوس مرعب، أسهم في تردي سمعة المؤسسة العسكرية الأمريكية، في مختلف أرجاء الأرض، وكشف زيف الشعارات البراقة عن الحرية، وادعاءات الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لقد اقتنصت الإدارة الأمريكية لحظة الفاجعة، لتنفيذ مخططات، وفتح ملفات كانت الأوضاع الاقتصادية المتردية، التي استمرت أكثر من عقدين متتالين، تدفع بفتحها، بحسبان العدوان على أفغانستان والعراق، وبعث المشروع الشرق أوسطي، حلا عمليا لتلك المشاكل، فإذا بأقدام جيوشها تغرق في مستنقعات ليس لها نهاية. فتتضاعف الأزمة الاقتصادية، وتتحول في السنتين الأخيرتين إلى أزمة اقتصاد عالمية، تدفع أثمانها شعوب ليست طرفا في مشاريع العدوان.
لقد أشارت بعض التقارير إلى أن أمريكا خسرت ما يقرب من 2 تريليون في حربي أفغانستان والعراق. وبالإمكان تصور الكيفية التي سيكون عليها الاقتصاد العالمي الآن، لو أن هذه المبالغ الضخمة قد جرى ضخها، في مشاريع تنموية، وخطط عملية من أجل تحسين الإنتاج. لكن الإدارة الأمريكية، شأنها شأن معظم الإمبراطوريات الأخرى، اختارت الطريق الآخر، ظنا أنه الأسهل، لتجد نفسها في نهاية المطاف مجبرة على الانسحاب من العراق، والتفاوض مع طالبان، من أجل انسحاب مشرف من أفغانستان، ولتتخلى عن كونها القطب الأوحد في الساحة الدولية، ولتكون تداعيات الحدث المجلجل، حصادا مرا وشاملا على كل الأصعدة.