برغم قدم مشاريع الوقف في الإسلام إلا أن الوقف التعليمي -أو الاتجاه لتفعيل الصناديق الداعمة للمشاريع البحثية والتعليمية- يعد حديثا ومهملا مقارنة بالجامعات الرائدة في الخارج
تهتم الدول المتقدمة بأن ينال قطاعا الصحة والتعليم الجزء الأكبر من ميزانيتها المالية السنوية، لأن الاستثمار في الإنسان وخاصة في تعليمه هو الطريق الأمثل لنماء الدول وتقدمها وتطورها، سواء كان التعليم العام أو العالي. وهذا ما نلحظه في الميزانية التي توضع سنويا في المملكة، حيث ينال التعليم حظا وافرا من مخصصاتها، فقد بلغ ما خُصص من النفقات المعتمدة بالميزانية للعام 1435 – 1436هـ قرابة الـ25% لقطاع التعليم العام والتعليم العالي وتدريب القوى العاملة بما يقارب 210 مليارات ريال.
مع التغييرات الاقتصادية التي يشهدها العالم وما يحدث فيها من تباين في ارتفاع أو انخفاض الأسعار من وقت لآخر، وما يسببه هذا الأمر من ارتفاع كلفة الأبحاث العلمية التي تقدمها الجامعات، التي تعد الركيزة الأهم في المعرفة الإنسانية وما تقدمه من خدمات تنموية وفكرية وسلوكية تنهض بالدول وتسهم في مواكبة التطور العالمي المتسارع والاكتشافات الحديثة في مختلف مجالات العلوم والتنمية، تزايد الاهتمام بالبحث عن مصدر مالي رديف للاعتمادات الحكومية للتعليم العالي التي قد لا تستوعب الاحتياجات الفعلية للجامعات أو لطموحاتها العلمية وخططها البحثية والمهنية.
وقد اعتمدت جامعات عالمية شهيرة منذ سنوات طويلة على المساعدات المالية والمعونات والهبات التي تقدم لها من رجال أعمال ومحسنين ومن أساتذة وطلاب سابقين، وأُنشئت لها صناديق وقف خاصة لاستثمارها واستطاعت من خلالها رفع مكانة الجامعة بحثيا وأكاديميا. ومن أشهر هذه الجامعات جامعة هارفارد أقدم الجامعات الأميركية وأغناها وتقدر وقفياتها المالية بأكثر من 30 مليار دولار، وهذه أكبر وقفية أكاديمية في العالم. وكذلك جامعة ييل المنافس التقليدي لـهارفارد، التي سميت بهذا الاسم تقديرا لمساعدة سخية من التاجر الثري ايليهو ييل، وتقدر وقفيتها المالية مؤخرا بحوالى 20 مليار دولار. وفي أوروبا تتصدر كامبردج بوقف يفوق الأربعة مليارات دولار ثم جامعتا إدنبرا ومانشستر. وفي كندا تتصدر جامعة تورنتو بقيمة الأوقاف التعليمية وكذلك الكثير من الجامعات الرائدة حول العالم بنوعيها الخاص والحكومي.
وفي المملكة بادرت بعض الجامعات بتبني إنشاء صناديق للدعم التعليمي (وقف تعليمي) كجامعة الملك سعود وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن. وفي هذا الصدد تحتفل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن مساء غد الأربعاء 17 ديسمبر، بحضور ورعاية من أمير المنطقة الشرقية سعود بن نايف بن عبدالعزيز، بتدشين المرحلة الثانية من صندوق دعم البحوث والبرامج التعليمية بالجامعة، الذي يشهد تطورا نوعيا ملحوظا منذ تأسيسه عام 2007، كبدء العمل في مركز الأعمال الذي خصصت له أرض بموقع حيوي، وكذلك تجاوز المحفظة المالية للصندوق مبلغ مليار ريال. وبهذا تحقق جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الهدف الذي وضع من أجله صندوق دعم البحوث والبرامج التعليمية بكونه موردا يوفر الدعم اللازم لبرامج بحثية وتعليمية عدة، واستقطاب الكفاءات العلمية من باحثين وأساتذة ودعم رواتب هيئة التدريس المميزين. وكذلك يحقق شراكة مجتمعية فاعلة بين الجامعة وبين أفراد المجتمع الذين يرغبون بالإسهام في تطوير القطاع التعليمي بالوطن ورفعه إلى مستويات تواكب الطموحات المرجوة والتقدم الأكاديمي والبحثي في العالم، كما يساعد الجامعة على الحفاظ على المستوى المتميز والرائد الذي عُرفت به داخليا وخارجيا وتجاوزه للأفضل والأحدث.
الكثير من الأفراد في المجتمع يحملون روح المبادرة والحرص على المشاركة المجتمعية الفاعلة ويرغبون في التبرع كدعم للتعليم أو كصدقة جارية لأنفسهم أو لآبائهم أو أبنائهم، ويعد الوقف التعليمي أحد هذه الطرق التي بالإمكان الإسهام فيها، التي تحقق فائدة كبيرة لوطننا بالمقام الأول. وبرغم قِدم مشاريع الوقف في الإسلام إلا أن الوقف التعليمي أو الاتجاه لتفعيل الصناديق الداعمة للمشاريع البحثية والتعليمية يعد حديثا ومهملا مقارنة بالجامعات الرائدة في الخارج التي أصبح لديها هذا الأمر تقليدا، حتى إن بعضها أُطلق اسم المتبرع على بعض قاعاته التعليمية أو الكراسي البحثية أو حتى تم تغيير اسم الجامعة بالكامل باسم المؤسس أو المتبرع السخي لها.
إن تبني مثل هذه الأوقاف التعليمية في الجامعات سيسهم في توفير قاعدة تشغيلية قوية وثرية تنطلق منها البحوث الرائدة والنافعة، وتساعد في انطلاق الجامعة نحو فضاء أرحب من التعليم والعمل بثقة واقتدار. لا بد من إدخال هذه الفكرة في مجال التعليم العام بحيث تتبنى المدارس إنشاء صناديق وقفية خاصة بها يسهم في دعمها تجار كل مدينة وأولياء أمور الطلبة والمعلمين ولو بمبالغ رمزية، وتشغّل أموال هذا الصندوق بطريقة احترافية لتسهم في رفع العملية التعليمة في المدارس وتوظيفها لعمل التحسينات أو الزيادات المرغوبة في المرافق المدرسية أو إقامة دورات تدريبية هادفة للطلاب، وتوفير الجوائز والهدايا للمتفوقين وغيرها من الاحتياجات التي لا تنقطع في المدارس.