الموازنة التدريجية ما بين 'الانتخاب' و'التعيين' في عملية الاختيار الشوري يمكن أن تصنع طريقا ثالثا من خلال المواءمة والمزاوجة، تتم وفقا للمعايير المتخذة في التعيين
قبل ما يزيد عن اثني عشر عاما، كتب الكاتب والإعلامي المعروف داود الشريان مقالا بصحيفة الحياة مطالبا بانتخاب أعضاء مجلس الشورى، منتقدا ما جاء على لسان رئيس مجلس الشورى حينها الشيخ محمد بن جبير-رحمه الله- ضمن تصريح صحفي فضّل فيه مبدأ التعيين على الانتخاب في عملية اختيار أعضاء مجلس الشورى، معتبرا إياه أفضل من الانتخاب، فانبرى له الأديب أبوعبدالرحمن بن عقيل الظاهري بمقالين لاذعين في مجلة اليمامة .
اليوم، وبعد هذه السنوات الاثنتي عشرة، باتت قضية انتخابات الشورى تطرح بكل أريحية للرأي العام في مختلف وسائل الإعلام، لا سيما بعد تلك التجربة الجزئية الجيدة التي اكتسبها المجتمع من خلال انتخابات المجالس البلدية، التي نتمنى أن تعود من جديد بنسخة أكثر إشراقا.
اليوم، وباعتبار أن الانتخابات ليست أكثر من عملية اختيار تشبه التعيين لكنها تختلف عنه من ناحية المسؤولية الشعبية التي تتخللها؛ تبرز أهمية الاعتماد على الانتخاب كرافد آخر لـالتعيين في عملية اختيار أعضاء مجلس الشورى ولو بنسبة ضئيلة -مبدئيا- لا تتجاوز 5% وذلك لسببين: الأول هو أن التهيئة والجاهزية للشراكة المجتمعية من الصعب أن تتم فجأة، بل يفترض أن تكون تدريجية وقابلة للتطور. أما السبب الثاني فهو عدم تكافؤ الفرص داخل المجلس الذي يفترض أن يخضع في تمثيله إلى طبيعة تكوينات المجتمع السعودي على الصعيد القبلي والأسري والطائفي والمناطقي، باعتبار أن الانتماءات الطبيعية التقليدية ما زالت أساسية وفاعلة في مجتمعنا السعودي، وأسس الاختيار بناء على هذه الانتماءات المحققة للتوازنات -بعد توافر معيار الكفاءة الوطنية- أمر ملحوظ منذ إنشاء المجلس، غير أن نسبة تمثيل الشباب في المجلس ما زالت ضعيفة، في ظل غالبية الأعضاء التكنوقراط الذين قضوا عمرا مديدا في الخدمة بمختلف مؤسسات الدولة، وقضى بعضهم ما يقارب الـ10 سنوات تحت قبة المجلس دون أن يكون له صوت مسموع، وإن كانت خدمة الوطن شرف رفيع في أي زمان وأي مكان.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإني أتحدث هنا عن مقترح الانتخاب الجزئي في مجلس الشورى في المستقبل، مستحضرا بالضرورة إشكالات الانتخابات في بعض البرلمات العربية التي جلبت -مع شديد الأسف- برلمانيين في غاية الهمجية، بل إن بعضهم لا يبرح أن يخرج من السجن حتى تدوس قدماه عتبة البرلمان مرة أخرى، وتحفل وسائل التواصل الاجتماعي بسيرة العديد من هذه النماذج الذين تبرأت منهم ألسنتهم وأياديهم، وهم على المستوى الفعلي لا يمثلون شعوبهم بقدر تمثيلهم لمصالحهم ومصالح كتلهم البرلمانية، وأحيانا الحقائب الوزارية التي ينحازون إليها في الحكومة؛ الأمر جعل الشعب -بالفعل- غائبا في نظرهم رغم صراخهم المستمر باسمه! وإن دلّ هذا على شيء إنما يدل على غياب الوعي العام بأسس العملية الديموقراطية، وربما تغييبها، وهذا واضح في بعض التجارب الانتخابية العربية المختلفة.
إن هذه النماذج من النوّاب البوليسيين مرفوضة تماما بالقدر نفسه الذي تُرفض فيه الفئة الصامتة النوّام؛ وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الموازنة التدريجية ما بين الانتخاب والتعيين في عملية الاختيار، التي يمكن أن تصنع طريقا ثالثا من خلال المواءمة والمزاوجة بين الأمرين، في مساحة من التمرحل التاريخي، تتم وفقا للمعايير الدقيقة نفسها المتخذة في التعيين؛ ليتاح لمن ينطبق عليه خوض التجربة خدمة وطنه ومجتمعه.