نحن في حاجة إلى مسؤولين قادرين على تطبيق النظام بلا أعذار، وإلى من يجيد فن التهوين لا فوضى التهويل، وإلى مسؤولين لا إلى خطباء مفوهين، يلتزمون بالنظام قبل أن يلزموا الآخرين به

ما قيمة رسام بلا ريشة، أو أديب بلا خيال، أو قصيدة بلا كلمات؟! ماذا يستفيد المستمع والمطرب أبكم؟ حسنا، ماذا يفيد المواطن كون مكتب معاليه فخما، أو أن شهادات فخامته عليا، أو أن ثياب سعادته من حرير؟ شيء جميل أن يتحلى المسؤول بكل شيء جميل، غير أن كل شيء يتجمل به المسؤول لا يفيد المواطن في شيء ولا يضره بشيء.
هنالك أشياء تسعد المسؤول، وهنالك أشياء تسعد المواطن، وإن رأسمال سعادته هو إسعاد المواطن، بينما لا حاجة للمواطن بسعادة المسؤول، هذه هي العلاقة بين الطرفين، بين المواطن والمسؤول، وإن ما لا يسعد المواطن هو أن يتباهى المسؤول بفخامة المكتب وزخرفة الكرسي وإبراز الشهادات، كما أن ما لا يسعد المواطن هو أن يبدأ المسؤول في عرض المبررات أمامه وكيف أنه في خضم مؤامرات، وللأسف أن أكثر ما لا يسعد المواطن هو أغلب ما يقوم به سعادته لاعتقاده بأن هذا المنصب هو حصيلة مشواره الطويل في خدمة الوطن وقد آن الأوان لسعادته أن يرتاح على كرسي المسؤول!
إن الشيء الوحيد الذي يسعد المواطن، الشيء الوحيد الذي يهم المواطن هو تطبيق النظام، تطوير النظام، مواءمة النظام قولبته تكييفه بما يخدم الجميع، أن يكون النظام واضحا صريحا، مباشرا غير مبهم ولا يحتاج لخبراء في فك التشفير، أن لا يتم تكريم الكبار بالإعفاء عن الالتزام بالنظام حتى لا يتجاهله الصغار، أن يتم فرض النظام ومحاسبة المخالفين والتشهير بهم، وأشياء أخرى ذات علاقة بالنظام كأن يقوم سعادته بمتابعة سير النظام في الشوارع والمستشفيات والمدارس ومكاتب الضمان، متابعة غير مسبوقة بأي إعلان.
هذه كل متطلبات المواطن من المسؤول، بل هذا هو الرابط الوحيد بين المواطن والمسؤول، وإنها علاقة بسيطة جدا إذا تم تطبيق النظام، معقدة جدا إذا حشرنا فيها كل شيء ما عدا النظام.
إن كل الاحتفاء الذي لاقاه معالي الوزير توفيق الربيعة من قِبل المواطنين لا لشيء سوى أن معاليه قد تعامل بالنظام، لم يأت بمعجزة، لم يمتلك قوى غامضة، فقط النظام هو سره وسر الاحتفاء به، وإن معاليه حين تعامل بالنظام كأنه قد أعاد للأفهام ذلك المفهوم المُغيب بأن لا علاقة بين المواطن والمسؤول خارج إطار النظام، ربما لا يضر أن يستعرض المسؤول بما حباه الله إلا أن استعراضه إن لم يضر فأبدا لن يفيد.
وإن تعامل معالي الوزير توفيق الربيعة بالنظام، كأنه أيضا قد أعاد للأفهام أن المنصب أبدا ليس للراحة من بعد عناء الطريق إنما هو بداية طريق كله عناء، فأعان الله كل مسؤول إن قام بتطبيق النظام، وأعان الله جموع المواطنين إن ارتأى أصحاب السعادة والمعالي عدم تطبيق النظام، لأن عدم تطبيقهم للنظام مسألة ستجعلهم يهنؤون براحة البال وستدفع بجموع المواطنين أن يعيشوا حياة عناء.
طبِق النظام حتى أراك، لا أن أراك رؤى العين ثم نجلس سوية فأشكيك همي وكيف أنني عانيت الأمرين من أجل استخلاص ورقة واحدة من أصل مئة ورقة لا بد وأن أضمها في ملف واحد ثم أدور به من دائرة لدائرة ومن مدينة لمدينة، وتكفى داخل على الله ثم عليك أكرمني بتوقيع معاليك، تكفى أرحم عاطل بلا عمل، مريض بلا سرير، والنظام على حظه دايم عطلان.
طبِق النظام حتى أراك، لا أن أراك رؤى العين ثم نجلس سوية لتشكيني همك وكيف أنك تريد حقا وتسعى جاهدا وتطمح صادقا إلا أن هنالك شلة تتقعد لك وتعرقل قراراتك، وموظفين لا يتحلون بالأمانة والإخلاص، ومجتمعا عشعشت فيه ثقافة الكسل، ومؤسسات لا تتعاون مع سعادتك، إن هموم معاليك لا تهمني في شيء، كل الصعوبات هي شأن خاص بك –أعانك لله- لكن لا تعتقد أن من يعاديك يكرهك –معاذ الله- إنه فقط يحشر نفسه في الفراغ الذي سببه عدم تطبيقك النظام.
إننا اليوم في حاجة إلى مسؤولين قادرين على تطبيق النظام بلا أعذار، في حاجة إلى من يجيد فن التهوين لا فوضى التهويل، في حاجة إلى مسؤولين لا إلى خطباء مفوهين، في حاجة إلى مسؤولين يلتزمون بالنظام قبل أن يلزموا الآخرين به، وأهم من كل هذا أن يكون تطبيق المسؤول للنظام مسألة إلزامية عليه لا اعتمادا على صفات أحدهم وشخصيته التي قد يصادف أنها تميل لتطبيق النظام كحدث عابر سينتهي ليعود بعده كل شيء إلى ما كان عليه.
طبقوا الأنظمة بعدل ووضوح فإن المواطن السعودي والله يحترم النظام ويتقيد به، إنه لا يقطع إشارة، لا يشتم المّارة، لا يبحث عن واسطة، لا يفعل أي شيء مخالفا للنظام إذا سافر إلى دول يتم فيها تطبيق النظام على الجميع، إذا سافر إلى دول لا يخالف فيها رجل المرور قواعد المرور، ولا يُقفل فيها شارع لمرور مسؤول، ولا يتم تقديم ابن مسؤول في طابور التوظيف. طبق النظام حتى أراك، ثم التزم به حتى أرى النظام.