لا فرق بين هؤلاء الموظفين وبين زملائهم لا من ناحية المهمات المنوطة بهم، أو طريقة دوامهم أو التكليفات التي يقومون بها، ولا من ناحية أهميتهم الوظيفية، فلماذا إذن تتم تفرقتهم عن زملائهم من ناحية الترسيم؟ وعلى أي أساس لم يرسموا؟
خالد شاب بدأ حياته العملية مع أكثر الناس احتياجاً في هذا المجتمع، وهم الأيتام، كما أنه تنقل مابين دور الرعاية والتأهيل لكي يؤدي مهمته الإنسانية على أكمل وجه، وهو في هذا العمل منذ حوالي السنوات التسع، وقد كان على بند من البنود الخاصة بوزارة الشؤون الاجتماعية: (دعم الفروع الإيوائية)، وهو بند لمن لا يعرفه مقطوع الراتب بثلاثة آلاف ريال فقط بلا علاوات، ولا زيادات. عمل خالد ليس ثابتاً، وليس محدداً بوقت معروف، إنما هو مناوبات يتقاسمها مع زملاء المهنة مابين أوائل الليل وأواخره، وأطراف النهار، وهذا عمل مرهق إذ ليس كالأعمال الثابتة والتي تنظم حياة الموظف خاصة إذا كانت له عائلة وأبناء يحتاجون رعايته. كما أن التعامل مع الفئات المحتاجة اجتماعياً كالأيتام مثلاً ليس بالأمر اليسير؛ إذ يحتاج إلى جهد أكبر كون هذا الطفل قد فقد والديه والموظف هنا هو البديل لهما، مما يعني أن جهده مضاعف في التعامل مع اليتيم، فالعمل الإنساني ليس كل إنسان يجيده، بل يمكن القول إنه من أكثر الأعمال مشقة الذي يتطلب في الموظف أن يكون على مواصفات إنسانية عالية، لأن التعامل مع دور الأيتام أو دور الرعاية الاجتماعية أو دور العجزة هو في أصله محاولة لإعادة تأهيل هذه الفئة من الناس للاندماج في المجتمع، وعلى ذلك فإن محاولة الاندماج هذه تتطلب من العاملين عليه قدرا من الإنسانية والتعامل التربوي الكبير الذي ربما يضاهي التعامل مع الفئات الأخرى كونها أكثر استقراراً من الناحية الأسرية أو الاجتماعية بشكل أعم.
بعض الوظائف الحكومية إنسانية في صميم عملها، ولا يمكن لها إلا أن تصبح كذلك بحكم طبيعتها الوظيفية كالوظائف التي ذكرناها، وهي ( دار الملاحظة الاجتماعية، التأهيل الشامل، دار التربية للأيتام)، وحينما يتم التعامل مع الموظفين القائمين عليها، أو جزء منهم، بنوع من التجاهل الوظيفي؛ فإن ذلك يضر أول ما يضر استقرار هذه الفئة من المجتمع كون الاحتكاك الاجتماعي والتربوي يكون مباشراً، ومن هنا فإنه كان من المهم جدا تأهيل الموظفين بشكل سليم، وإعطاؤهم مميزات قد تفوق غيرهم من الوظائف الأخرى لأهمية العمل الذي يقومون به.
ما ساقني إلى هذا الحديث هو أن خالد وزملاءه الموظفين على بند دعم الفروع الإيوائية في كافة مناطق المملكة، وعددهم حوالي مئة وأربعين شخصاً تقريباً ما بين رجل وامرأة، يعملون نفس العمل الذي يعمله زملاء المهنة كمراقبين اجتماعيين، لكنهم لم يتم التعامل معهم بنفس المزايا مثل زملائهم حيث لم يتم ترسيمهم حتى بعد القرار الملكي في ترسيم جميع موظفي البنود، ولم يستثنِ القرار بنداً من البنود الأخرى؛ إذ كان شاملاً لكل من كان على وظيفة بند مساواة لهم مع زملائهم الذين يلتقونهم كل صباح أو كل مساء أو أواخر الليل، وهنا يمكننا طرح التساؤل على المسؤولين في وزارة الشؤون الاجتماعية حول السبب المقنع من تجاهل هذا البند من قرار الترسيم السابق الذكر، إذ من المعروف أن المراقبين على بند التأهيل والعلاج، أو بند 105 تم ترسيمهم بعد القرار مباشرة، لكن بقي المراقبون على بند دعم الفروع الإيوائية خارج منظومة هذا الترسيم رغم تطابق العلم بل إن البنود الأخرى بعد ترسيمها تشملها علاوات ونسب متفاوتة، إذ يشمل العمل على دار الملاحظة وأيضا التأهيل الشامل نسبة 35% زيادة في الراتب الأساسي كما يشمل في دار التربية للأيتام نسبة 25% على الراتب للموظفين في حين حُرم جميع من هم على بند (دعم الفروع الإيوائية) من كل ذلك بسبب عدم ترسيمهم، إذ ليس من المعقول أن يعمل المرء سنوات من عمره من غير أي زيادة ولا أي مكافأة يمكن أن تعزز من نشاطه الوظيفي، فما بالك بموظف يتعامل مع فئة اجتماعية مهمة جدا، والتعامل معها يعتبر عملاً إنسانياً، وأي ضرر في الموظفين الذي يحتكون بهذه الفئة هو ضرر على هؤلاء كونه يمسهم مباشرة، إذ مهما كان تعامل الإنسان إنسانياً مع الغير فإن المحفزات تبقى هي المعزز لهذا التعامل، أما حينما يتم تجاهل هؤلاء الموظفين فإنه في الأصل تجاهل لهذه لفئة من المجتمع، وتجاهل لأهمية عمل هؤلاء الموظفين كما أنه تجاهل لأهمية تأهيل من يقومون بتأهيلهم.
لا فرق بين هؤلاء الموظفين وبين زملائهم لا من ناحية المهمات المنوطة بهم، ولا من ناحية طريقة دوامهم ولا من ناحية التكليفات التي يقومون بها ولا من ناحية أهميتهم الوظيفية، فلماذا إذن تتم تفرقتهم عن زملائهم من ناحية الترسيم؟ وعلى أي أساس لا يتم ترسيمهم؟
إنّ على وزارة الشؤون الاجتماعية أن توظفهم عاجلاً عملاً بالقرار السامي وتساويهم بزملائهم، أو توضح لهم السبب المقنع في عدم ترسيمهم كما تم ترسيم زملائهم الذين كانوا على بنود مقطوعة الراتب.
إن السؤال الذي دائما ما يطرح في مثل هذه المواقف هو في مدى التمييز الذي يحصل في بعض الوزارات بين موظفيها خاصة أولئك الذين يتشابهون في نفس المرتبة أو نفس البنود؟ هل الأنظمة تختلف بحيث يصبح التمييز مسوغاً؟ شخصياً لا أعتقد ذلك أبداً؛ إذ طبيعة الأنظمة هي المساواة، والدليل أن القرار السامي في الترسيم لم يحدد فئة دون أخرى أو يستثني أحداً من أحد. أم أن بيروقراطية بعض المسؤولين تخلق مثل ذلك التمييز دون أي حس بمسؤولية تجاه أبناء البلد.