حرّم الواعظ، تراجع عن فتواه، حلال، حرام، لا يجوز، يجوز، متواليات تضرب بقوة في فكر المجتمع مثل أسواط تنهال عليهم مرة من هنا ومرة من هناك، ثم يعود ذات الأشخاص الذين ضربوا بفتواهم أقطاب الأرض والبشر ليقولوا هناك متسع ولا ضير، إذ إنه تبين أن في ذلك قولين.
ولعل أشهر الفتاوى اليوم هي فتوى تحريم رجل الثلج الذي يعمل من الثلج للهو والمرح مبديا تبريره بأن صور ذوات الأرواح المرسومة باليد، أو المنحوتة على خشب أو نحاس لا يُشك في حرمتها، وهو ذات المصدر في فتوى قتل ميكي ماوس وعلى قرابة فكرية بآخرين ممن أفتى بجواز إرضاع الكبير، وإخوته فكريا ممن أفتوا بحرمة أطباق الفضائيات، والبلوتوث، والجوالات ذات الكاميرا.. إلخ.
إن تركيز الأشخاص القائمين على فتاوى عامة تختص بأوجه الانحراف سواء الفكري أو الاجتماعي يلقون بما لديهم دون اعتبار للوسطية والطرح في الجد والهزل واحترام الدين والمستمعين لهم. ثم تراجعهم بعد وقت وتغيير نفس الفتوى الأمر الذي يسبب إرباكا كبيرا في النفوس.
من المفارقات العجيبة أن فتوى رجل الثلج وتحريمه جعلتنا في مواجهة حتمية وجها لوجه مع كل ما سبق ومرر لنا، ومع ما سوف يأتي ليُمرر لنا تحت ذريعة التحليل والتحريم الذي أصبح السهل الممتنع لدى الكثيرين ممن وجدوا في إعلان فتاواهم واجتهاداتهم على الناس متعة القيادة النفسية والفكرية لهم. وهذا لم يعد صحيحا فقد أدت مثل هذه الفتاوى التي لا تخاطب العقل والمنطق إلى فقدان الثقة في الكثير من الذين يعتلون المنابر، والذين لديهم القدرة لتوظيف الديني والشرعي في سياقات أنماط حياة طبيعية لا تستدعي التحريم أو الضرر لأحد. كما في فتوى تحريم رجل الثلج.
إن النفس الإنسانية تحب أن تجد في يومياتها بعض ما يبهج ويروح عن النفس وقد روي عن النبي عليه السلام قوله: روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلت عميت ويعد الترويح عن النفس في كل الأحوال إحدى الرغبات الفطرية الموجودة في أعماق كل إنسان، فالترويح عن النفس ضرورة فطرية إنسانية، وحاجة نفسية وعقلية وجسمية.
وفي رأيي أن التسلية بعمل رجل الثلج ليس أكثر من ترويح عن النفس في زمن ينتهي بانقضاء موسم الشتاء، كما أنه لم يأخذ بعين الاعتبار رد فعل الناس، كونهم وصلوا إلى حد من الوعي والثقافة الدينية، الذي لا يمكن إسقاط فكرة أن كفار الجاهلية كانوا يصنعون تماثيل من التمر ويعبدونها ثم يأكلونها إذا جاعوا، وربطها بما حدث في فتوى رجل الثلج وتصويره كذات صنمية.