هناك بعض التعاملات المصبوغة بأشكال من التطرف، تتفاوت نسبيا بين الناس سواء على مستوى الفكرة أو السلوك. ونحن نلاحظ ميولا عاطفية نسبيا للسلوكيات التي يمارسها تنظيم داعش من أجل تقوية شوكته، بناء على جملة من الممارسات المتطرفة وكأسلوب قمعي يفرض أساليب السلطة بالقوة والتطرف مع جميع من يختلف معه، حتى ولو كان من ضمن صفوفه، إلا أننا لا نستطيع أن نحكم على عامة الناس أنهم دواعش أو نجزم بالاتفاق التام مع ما يفعلون، ولا يحق لنا ذلك.
الوجه الجاذب للممارسات الداعشية يأتي انطلاقا من الأساس الأول في البنية السيكولوجية لدى الفرد والجماعة، وأعني: الجاهزية للتطرف.. فالمنطلقات التي تحكم العواطف في هذه الحالة آتية من هذه البنية التي أسست على مفهوم الكلمة الواحدة، والحزب الواحد الذي لا يقبل اختلاف الآخر، في ظل الاحتكام لقانون اجتماعي آمر يفرض نظرية مؤداها أن الخارج عن هذا القانون منبوذ ومنحرف. فالأدبيات التي تقوم عليها أفكار داعش تتقاطع مع أدبيات الأكثرية في مفهوم الإقصاء والتكفير، وحينما ننتقد داعش ونستنكر أفعاله نجد الأكثرية يفعلون ذلك لكنهم يبررون للدواعش أفعالهم بلا وعي، فهم يفكرون من نفس الصندوق، وتجد أنهم إذا جرى النقاش في المجالس يتعاملون على اعتبار الفعل ورد الفعل، بمعنى أنهم يجدون في هذه الأفعال ردة فعل ضد الميليشيات الشيعية أو الصفوية في سورية والعراق، وكأن بيننا من يؤيدون حزب الله بالمقابل!! هذا برغم أن الدولة أجمعت على تجريم هذه الجماعات الداخلة ضمنيا في قائمة الإرهاب.
الذي يحدث أن هناك ولاء سياسيا ووطنيا، لكن الكثير في دواخلهم لا يجرمون ما يفعله داعش حين تكون الجريمة ضد من يختلفون معهم، بينما هم في الوقت ذاته يعترفون بهذا التنظيم كخطر ولن يقبلوا أن يهدد استقرارهم. لأن التعاطف هنا يتأتى من اللاوعي الذي يغذي فكرة النيل من الآخر وإضعافه، كمنطلقات طائفية تجعل هذا التعاطف يفسر مبدأ الاعتداد بقوة الفرقة الواحدة المتعصبة في ذاتها، الأمر الذي يجعلهم بالضرورة في مكان الشك.
يجب أن تبدأ الدولة في العمل على مشروع متكامل ينتشل الفكر الاجتماعي بأساليب التربية الوطنية في مفهومها الحقيقي، والذي يبدأ من الإعلام كمؤثر أساسي، إضافة إلى منابر المساجد ودور الخطب الدينية وإصلاح المناهج الدراسية، كذلك الملتقيات الشبابية وأنشطتها، والاستعانة بذوي الاختصاص في مجالات العلوم الاجتماعية لإنجاح هذا المشروع، وهذا من شأنه أن يحدث نقلة نوعية وفكرية على مستوى المجتمع في الداخل والخارج، وستؤتي ثمارها إذا عمل عليها بجدية.