عندما انهارت الدول العربية الفاشلة اتجهت الأنظار نحو الدول العربية الناجحة، وعلى وجه الخصوص دول الخليج، وكيف ستتعامل مع انهيار الدول الفاشلة، فكان التحدي الخليجي أكبر من التحدي الأوروبي
عندما سقط جدار برلين في عام 89 وأعلن رسميا فشل التجربة الشيوعية في بناء دولة حديثة. يومها نزلت شعوب دول أوروبا الشرقية إلى الشوارع والساحات للاحتفال بسقوط دول حلف وارسو الشهير.
ولم تكن تلك الشعوب حينها تعرف في أي اتجاه تسير ولا تملك سوى الشعارات الكبيرة والرنانة. وتصدر المشهد مجموعة من المثقفين الذين يتقنون فن الخطابة والحماسة ولا يعرفون شيئا عن الدول وأحوالها وأدواتها وكيفية إدارتها.
بينما كان الناس في الشوارع يهتفون ويغنون، كان أركان النظام الشيوعي ينهبون المخازن والأسرار والثروات، وخلال أيام معدودة لم يبق للشعوب ما يأكلونه في الأيام القادمة، وأصبحوا لاجئين على أرضهم بعد أن ورثوا حطام دول فاشلة وثروات منهوبة، وأمسوا وباء يهدد جوارهم من دول الاتحاد الأوروبي، وأصبحت مأساة الدول الأوروبية الفاشلة هي قضية الدول الأوروبية الناجحة.
كانت خيارات أوروبا محدودة. إما إعادة بناء جدار برلين بينها وبين الفشل الأوروبي الشرقي وترك الفوضى تتعاظم وتتسرب إلى مجتمعاتها، أو العمل على استيعاب ذلك الفشل ومساعدة الدول الفاشلة وإخراجها من أزمتها. وهذا ما كان.
ودفعت دول الاتحاد الأوروبي أثمانا كبيرة، خصوصا ألمانيا الغربية. وبذلك تجاوزت دول الاتحاد الأوروبي أزمة الفوضى التي كانت على أبوابها، وهذا ما أقنع شعوب الاتحاد الأوروبي التي كانت تعترض على سياسة الاستيعاب.
أردنا أن نستحضر تلك التجربة التي عاصرناها خلال السنوات الماضية، وتشبه إلى حد بعيد ما تعيشه معظم دول منطقتنا الفاشلة التي نشاهد تداعياتها المأساوية، وبأشكال مفجعة عموما في سورية والعراق وليبيا واليمن. ورغم أن أسباب الفشل ليست واحدة، خصوصا بالنسبة للدول الغنية مثل ليبيا والعراق.
عندما انهارت الدول العربية الفاشلة اتجهت الأنظار نحو الدول العربية الناجحة، وعلى وجه الخصوص دول مجلس التعاون الخليجي، وكيف ستتعامل مع انهيار الدول الفاشلة، وكان التحدي الخليجي أكبر من التحدي الأوروبي، بسبب طموحات بعض الدول الإقليمية بالهيمنة على المجتمعات العربية، تحت مسميات متنوعة وظهور تيارات لا تعترف بالهوية العربية أو الدولة العربية أو الحدود، وهذا التحدي غير مسبوق في التاريخ الحديث.
تعاملت مجموعة من دول مجلس التعاون الخليجي بحكمة وروية وحزم دون مساعدة من دول العالم التي ما يزال معظمها يستثمر الحرائق العربية أكثر من السعي إلى إطفائها باستثناء الحريق العراقي، لأن الفوضى العراقية صناعة أميركية إيرانية بامتياز، فسارعت للدعوة إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.
أما باقي الحرائق في سورية واليمن وليبيا، فلا تزال الدول الكبرى والإقليمية تتعامل معها كأوراق تفاوض أو ابتزاز رغم بلوغ نسبة اللجوء العربي خمسين بالمئة من مجمل اللجوء العالمي.
كانت المبادرة الخليجية خشبة الخلاص للشعب اليمني، وكدنا نحسد اليمن على سلوكه سبيل الاستقرار والوحدة، لكن الأمر تغير في الأشهر الماضية بعد التدخل الإقليمي وضرب المبادرة الخليجية التي وقعت عليها كل الأطراف لتلحق اليمن بسورية وليبيا والعراق، وهكذا كان الأمر مع الأزمة الليبية التي احتضنت خليجيا في بداية أزمتها إلى أن عادت ورقة ابتزاز إقليمية ودولية وبؤرة متفجرة تهدد جوارها العربي والأفريقي.
تعاملت دول مجلس التعاون الخليجي مع الأزمة السورية بانفتاح كبير، وساعدت كثيرا على إيجاد حلول لتفادي ويلات النزاع الأهلي الفتاك. إلا أن الأمور لم تكن بيد دول الخليج الساعية إلى الاستقرار العربي، فهناك إيران وغير إيران وتطلعات وطموحات لا علاقة للشعب السوري بها ولا بطموحاته في العيش على أرضه بسلام في ظل دولة ناجحة ومستقرة. وتعاظم الصراع حتى بات أكثر من نصف الشعب السوري يعيش في الخيام داخل أرضه وفي دول الجوار.
نستطيع أن نقول إن المعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري تفوق ما عاناه الفلسطينيون والعراقيون، ولولا المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج ومساعداتهم الإنسانية الدائمة لكُتِب الكثير عن مأساة هذا الشعب الشقيق، وأعتقد أن الأيام القادمة تنبئ بالأسوأ وما سيخرج من خيام اليائسين.
كان لا بد من هذا العرض المتواضع والسريع للحديث عن أهمية الدور الذي قامت به المملكة العربية السعودية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي وفي مصر تحديدا. وهذا ما قاله قبل أيام الرئيس المصري الذي كان يتحدث إلى شعبه قائلا: إنه لولا أشقاؤنا في المملكة ودول الخليج لما كنا حيث نحن الآن. أردنا أن نستشهد بكلام الرئيس المصري للحديث عن قصة نجاح كبيرة وأساسية في مسيرة عودة الاستقرار إلى وطننا العربي الكبير.
أدركت المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج أهمية الاستقرار في المنطقة والوقوف مع الدولة المصرية المنهكة والمترهلة التي كادت أن تضيع، ونعتقد أن النجاح العربي في مصر هو بارقة أمل لنجاحات قادمة ولو أن ذلك لا يبدو واضحا الآن، ولكن لو التحقت مصر بالفوضى لكان الحريق قد طال الجميع، ولتحولت المجتمعات العربية إلى نموذج للفشل والنزاعات، ونستطيع أن نؤكد أن تحديات الخليج العربي أكبر من تحديات الاتحاد الأوروبي بعد سقوط جدار برلين.