الحوارات الفكرية ومؤتمرات مكافحة الإرهاب إن كانت ستعمل بوعي ديني عملي فسوف تؤتي ثمارها قريبا، خاصة إذا خرجت من أروقة القاعات المغلقة والتنظيرات الأفلاطونية وعمدت للنزول إلى الواقع
بعد أقل من أسبوعين من اليوم ستعقد رابطة العالم الإسلامي في مقرها بمكة المكرمة مؤتمرا عالميا لمكافحة الإرهاب، وسيفتتح المؤتمر مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، نيابة عن الملك سلمان بن عبدالعزيز كما أوضحت صحيفة الوطن في خبر لها حول هذا الموضوع عدد الخميس الماضي. ومما جاء في تصريح الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور عبدالله التركي إن اختيار الرابطة لموضوع مكافحة الإرهاب جاء استشعارا من الرابطة بالأحداث الدقيقة والحرجة التي يمر بها العالم حاليا من جراء الأعمال الإرهابية التي شوهت صورة الإسلام أمام الآخرين. وأكد على أن مواجهة الإرهاب صورة شرعية ومطلب إسلامي.
وفي خبر صحفي آخر، عقد مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني جلساته التحضيرية للقاء الوطني العاشر للحوار الفكري في مناطق عدة خلال الأسابيع الماضية وما زال يتنقل بين منطقة وأخرى، وعنوان هذه المرحلة: التطرف وآثاره على الوحدة الوطنية، وتدور محاور اللقاء حول ظاهرة التطرف والتشدد وأثرها على الوحدة الوطنية ونقاش أسباب نشوء التطرف ومدى خطره على الدين والمجتمع والوطن، والسبل المعينة للحد من هذه الظاهرة التي أدت لانتشار ظاهرة الإرهاب.
قضية الإرهاب كما يبدو تشغل بال واهتمام الحكومة السعودية خاصة وأنها اصطلت بنارها كثيرا في السنوات الأخيرة، وخرج من أبنائها من يناهض نماءها ويُسيء لصورتها بين الدول ويعيق تقدمها ومحاولاتها الحثيثة للحاق بركب التطور التنموي والحضاري. وهم، هؤلاء المسيئون لا يقتصر تشويههم على الوطن، بل يمتد بسوئه للدين الإسلامي الذي أصبح بعد العمليات الأخيرة في السنوات الماضية بفعل ما قامت به تنظيمات تنسب للإسلام كـالإخوان والقاعدة وما يُعرف أخيرًا بـداعش؛ أصبح هذا الدين المتهم الأول للإرهاب بنظر العالم، وما قصة قتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة أخيرا حرقا إلا صورة واحدة صغيرة من بشاعة هذا التنظيم الإرهابي وبشاعة الأهداف التي يسعى لها ويرتدي لأجلها رداء الإسلام وإقامة الخلافة الإسلامية ونشر الشريعة حسب تصور أتباعه.
إن التعاطي مع مسألة الإرهاب وبحث أسبابه وطرق الحد منه وعلاجه، يحتاج لقدر كبير من الصدق والجدية والشفافية في تناول هذه المسببات، فمعرفة السبب لأي داء سيكون المدخل الأساس نحو معرفة طرق التعافي منه، والإرهاب الذي يغذيه التطرف ويسعر وقوده التشدد داء عضال ظهر في كثير من الأمم السابقة وازداد ظهوره وفجوره أخيرًا لتراخي الاهتمام به، حينما كان بذرة شيطانية خبيثة صغيرة تدس نفسها في أرض وطننا عبر رعاته من بعض الأحزاب والتيارات والذين اتخذوا من التدين لهم ستاراً ومن أنفس الصغار والبسطاء مراتع وأعشاشا تحتضن هذا الفكر وتؤمن به وتنافح عنه ولو بالدم والأشلاء. نتفق مع معالي الدكتور عبدالله التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بأن: مواجهة الإرهاب مطلب إسلامي وصورة شرعية والمحاور الست المُعدّة لهذا المؤتمر العالمي تتناول القضية من جوانب مختلفة، ولكن هل النقاش النظري وورش العمل المتفق عليها مسبقاً والبيانات الختامية لهذا المؤتمر وما سيعقد من أمثاله مُستقبلا كافية حقا للعمل على الأقل لوقف شريان التطرف الذي يغذي الإرهاب؟
الكثير يدرك أن التطرف يُشكل ظاهرة لدينا حتى أنه أصبح لشدة تمكّنه خلال الأعوام السابقة لا ينظر له ولا لتشريعاته بغرابة أو إنكار، بل البعض يؤمن بقطعية تامة ببعض الفكر المتشدد الذي يمثله، ويتلقّى بإخلاص أدواته من أسياده موقناً أن هذا هو جوهر الدين الإسلامي وحقيقته. ولأن أمر مكافحة الإرهاب والتطرف الديني يدور حول قضية تشكل أولوية في حياتنا كمسلمين وتقوم عليها بالمجمل حياتنا الاجتماعية والسياسية، فإن الاقتراب من هذه النقطة وتناولها بالشرح والتحليل والنقد يعد مخاطرة كبيرة، أبسط ما قد يواجه من ينتقدها أو يحاول تفنيدها وتنقيتها مما شابها من اعتلال فكري بسبب نقولات خاطئة أو شرح خارج عن المنطق والإنسانية، أبسط ما قد يواجهه: التكفير، وهو الأسلوب الذي اعتاده المتشددون، مغذو الإرهاب ورعاته، لإسكات مخالفيهم والخطوة الأولى لخلق تبرير التصفية الجسدية التي قد تتخذ أشكالا مختلفة عند هؤلاء المتطرفين كالحرق مثلا!
مثل هذا الحوارات الفكرية والمؤتمرات العالمية لمكافحة الإرهاب إن كانت ستعمل بوعي ديني عملي فسوف تؤتي ثمارها قريبا، خاصة إن خرجت من أروقة القاعات المغلقة والتنظيرات الأفلاطونية واعترفت بشجاعة بوجود هذه المشكلة، وأشارت بإصبع صادقة نحو الأسباب، وعمدت للنزول إلى الواقع المتمثل في مناهجه العلمية التي تُدرس في الجامعات والمدارس، وإلى الخطب والدروس التي تقدم في المساجد والجوامع، والقنوات الفضائية وما يٌقدم فيها للعامة وخاصة الشباب.
مكافحة الإرهاب هي حرب فكرية، والفكر لا يُقارع إلا بالفكر، ومعه نحتاج العودة إلى النصوص الدينية وإلى التراث الفقهي لفهم دلالاته وتحليله ونقاشه وتفنيده حتى لا يكون وقودا لإذكاء أي فتيل يقود إلى التطرف يحتج به المتشددون ومن ثم يصبح إرهابا يجتاح العالم، وأولهم نحن -أهل الإسلام وممثليه- الذين ينبغي أن نكون وأوطاننا كما جاءت قيم ديننا الحقيقية، أوطانا تقوم على السلام وقيم العدل والحرية.