الأنانية تفسد الثقة بين الناس وتدفعك دائما إلى الاحتياط عند التعامل مع الآخر، الأناني يضطرك لأن تراقب باستمرار عدالة العلاقة التي تجمعك معه. هذا سلوك مرهق وارتيابي ويتناقض مع مشاعر الحب والحميمية

وصل بنا الحديث في المقالة السابقة إلى أن السلوك الأناني يتعارض مع المبادئ الضرورية للسلوك العادل. ببساطة السلوك العادل يأخذ دائما بعين الاعتبار حق الطرف الآخر في العلاقة. الطرف الآخر هنا هو الإنسان الذي يؤثر فيه سلوكنا ويرتبط به. في المقابل الأنانية تعني تغييب هذا الطرف من الحسبة والانطلاق من حسبة ذاتية بحتة. الأنانية كذلك تتضمن رفضا لتبادل الأدوار. بمعنى أن الأناني يرفض أن يكون هو الطرف المستغل في العلاقة. الأناني يهرب من العلاقة التي يرى أنها ليست في صالحه. الأناني هنا لا يدخل في علاقات عادلة مع الآخرين ويدفعهم إما إلى مقاطعة التعامل معه أو إلى التصرف كأنانيين وتكون أدوار المُستغِل والمستغَل خاضعة لميزان القوة. إذن الأنانية تحيلنا إلى علاقات القوة بدلا من علاقات العدالة. علاقات القوة تتحد فيها العلاقة بحسب ميزان القوى لصالح القوي ضد الضعيف. علاقات العدالة، في المقابل، توازن بين الضعيف والقوي وتحقق الإنصاف بينهما.
بالتأكيد أن السلوك الأناني موجود في كل المجتمعات لكن نسبة وجوده لها دلالة كبيرة على مستوى العدالة. في المجتمع الذي ترتفع فيه مستويات العدالة لا يحتاج الإنسان إلى استخدام القوة للحصول على حقوقه. القوة هنا بمعناها الواسع. في المقابل في المجتمعات التي تنخفض فيها العدالة يضطر الناس للقوة للحصول على حقوقهم. هذا يعني أن الضعيف لا يحصل على حقه وهذا ما نسميه الظلم. البعض سيرد على هذه الأطروحة أن الأمر ليس متعلقا بالأخلاق ولا بقناعات الناس، ولكن بوجود قانون يتم تطبيقه. هذا الاعتراض يحيل إلى نقطة مهمة وهي دور النظام العام في البناء الأخلاقي، ولكنه لا يجيب على حالات كثيرة في دول متعددة تمتلك قوانين عادلة وواقعا يخالف ذلك تماما. بمعنى أن القانون كحبر على ورق لا أثر له في الواقع بدون أن يتحول إلى قوة. القوة هذه تعني أن الأفكار في القانون تحولت إلى قناعات في سلوك الأفراد على الأرض. القانون الجائر يتحول إلى طاقة جائرة على الأرض بفعل المنتفعين به وغير الواعين بجوره. القانون الأكثر عدالة يعكس طاقة عادلة لها وعي جماعي بقيمة ومعنى العدالة للجميع. وهذا يعيدنا لدور الوعي الأخلاقي الفردي والجماعي في تحقق معايير العدالة على أرض الواقع. الأنانية هي إحدى علامة أزمة العدالة، ويبقى السؤال هنا ما الذي يجعل الناس أنانيين؟ قبل محاولة التفكير في هذا السؤال سيكون من المفيد الاستمرار في محاولة فهم الظاهرة الأنانية ودلالاتها الأخلاقية.
من الواضح جدا أن الأنانية تفسد الثقة بين الناس. الأناني يدفعك دائما للاحتياط عند التعامل معه. بمعنى أن الأناني يضطرك لأن تراقب باستمرار عدالة العلاقة التي تجمعك معه. هذا سلوك مرهق وارتيابي ويتناقض مع مشاعر الحب والحميمية. لنتخيل حياة إنسان لا يثق في أحد. ستتحول حياته إلى جحيم وستتوقف بسرعة لأن عملية التوثق من كل علاقة يدخل فيها الفرد مرهقة وغير طبيعية. يحكى عن المنطقي الشهير كرت قردل أنه فقد الثقة في الجميع ما عدا زوجته. كانت لديه قناعات أن هناك من يسعى إلى تسميمه والتخلص منه. في آخر عمره دخلت زوجته للمستشفى وبقي هو لا يأكل من يد أحد إلا ما يصنعه هو. عجز قردل عن إطعام نفسه بنفسه ومات بسبب سوء التغذية، وذكر تقرير المستشفى أنه لم يكن يزن إلا بضعة كيلوجرامات. الطفل الأناني يجد صعوبة في اللعب مع الأطفال الآخرين، لأن اللعب قائم على فكرة الأخذ والعطاء. على ذات المنوال يجد البالغ الأناني صعوبة في اللعب والعمل مع الآخرين. هذا ينتج عنه بالطبع مشكلات اجتماعية ومشكلات في العمل. مشكلات في التواصل بشكل عام. هذا التوتر العام يجعل الفرد الأناني محاطا باستمرار بحالة من التوتر والصراع. هذه الحالة تستهلك جهد الإنسان، ولذا فإن الأناني إما أن يكون ذا طاقة صراعية هائلة أو انعزاليا. النوع الأول تتحول حياته إلى معركة لا تعرف الهدوء وإلى عاصفة هوجاء. غالبا ما تترافق مع هذه الشخصية تصورات متطرفة للحياة على أنها صراع أبديٌّ وأن الحياة فيها للقوي. تعليق العمل بالأخلاق هنا ضروري للأناني، لأنه يريحه من الجهد الداخلي المصاحب لشعوره الخاطف بإيذائه للآخرين. العدل في هذا المنظور مجرد خدعة لا أكثر. الحياة غابة والصراع هو الخيار الوحيد. غالبا ما تترافق هذه المقولات مع الشعور بالقوة وتتراجع مع الشعور بالضعف. النوع الثاني من الأنانيين هو الانعزالي وهو من لا يملك الاستعداد الذهني أو البدني للصراع الطويل. هذا الفرد يكتفي بعلاقات أنانية محدودة. غالبا ما يكون رهان هذا الفرد على أفراد تربطه بهم علاقات وثيقة تجعلهم يغفرون له أنانيته ولو لأجل مسمى. العلاقة مع الأم وأفراد الأسرة نماذج على هذه العلاقات. الحل الثالث أمام الأناني وهو الدخول في علاقات تعاونية مع الناس خارج الطاولة على الأقل موقتا.
سيكون المقال القادم محاولة إضافية لفهم أسباب السلوك الأناني وآثاره، لكن من المهم التذكير هنا أن المحاولة الحالية لوصف ظاهرة الأنانية ليس المقصود منها شيطنة الإنسان الأناني أو تحويله إلى ثقب أسود يحتوي على كل الخطايا. على العكس الهدف هنا هو فهم السلوك الأنانية على منظور النمو الأخلاقي الذي هو في لبه اجتماعي. بمعنى أن الأنانية سلوك اجتماعي لا يمكن تفسيره من خلال مواصفات الأفراد فقط، بل كذلك من خلال طبيعة العلاقات الاجتماعية والتربوية التي خاضوا تجربتهم الحياتية داخلها.