انتفت الحاجة إلى المهرجانات الثقافية. الدعوات التي توزع أصبحت تتراكم لدى أصحابها، ولا تجد من يستجيب. المثقفون عشاق الكعب الداير الثقافي الذين يبيعون ذات الكلام في كل حدث بعد أن يغيروا المانشيت والمواقع انقرضوا مثل أشياء كثيرة.
كان المهرجان مرحلة في تطور وحراك الثقافة، بات الآن مظهر إدانة وعلامة استفهام وشبهات كثيرة متعددة، كانت المهرجانات غطاء لكسب الولاءات السياسية المتناثرة، وحشد الأنصار والمؤيدين وحملات الدعاية. الآن انفجرت وسائل الإعلام بساعات البث المفتوحة والتحديثات اللحظية، صار كل شيء مكشوفا وواضحا، حتى التناقضات وحبال المواقف التي كان يلعب عليها المثقفون بين معسكر وآخر انكشفت، صار المهرجان عبئا حقيقيا وفكرة من زمن قديم تماما كاتحادات الكتاب والروابط القارية والإقليمية للمبدعين، صارت الثقافة أكثر حرية وانفلاتا، والمؤسسات التي عادة تتبنى مثل هذه الأفكار غير قادرة على مطاردة هذا الإيقاع السريع لأسباب كثيرة منها بناها البيروقراطية، ماتت فكرة الجماعية في الفعل الثقافي، الفردية هي المشروع الحقيقي والمنجز الذي يبقى ويخلد، سنوات قليلة ربما على أصابع اليد وبعدها ربما تتحول فكرة المهرجان الثقافي إلى متحف الحياة، تصبح سيفونير لطيفا عن التطور الإنساني، لا أحد يقبل التوصيات التي يتركها خلفهم عشرات ممن يحتشدون في ردهات الفنادق الفخمة في عواصم الخليج بشكل سنوي، حملات التعارف والتواصل بين الضيوف انتفت من الدورة الأولى، لأنهم يتكررون كل عام، ويمكن وبضمير مرتاح القول: إن هذا ينسحب على التجمعات ذات الطابع الفكري النقدي، وورش الأفكار ذات العناوين الرنانة التي ترقب تحديات المستقبل وخلافه سواء بفاتريناتها السياسية أو الفكرية أو الدينية أو الإبداعية.