أصبح من واجبنا تأسيس مركز مراقبة كفاءة الأداء ليتبع السُلطة العليا في الدولة، وليكون الأداة الفعالة في مراقبة ومحاسبة الأجهزة الحكومية، والتأكد من تحقيق أهدافها الاستراتيجية

في معظم دول العالم تنشئ السلطة العليا للدولة مركزها الرسمي وجهازها الرئيس لمراقبة كفاءة الأداء كي. بي.أي، الذي يهدف إلى متابعة ومراقبة المنشآت الحكومية كافة، ومحاسبة مسؤوليها على مدى تحقيقهم أهداف الدولة المحددة في خططها المعتمدة، إلى جانب قياس مؤشر مدى نجاح أو فشل هذه المنشآت في استخدام معايير الجودة والتطوير التنظيمي لمنسوبيها ومشاريعها.
في العام الجاري وصل عدد مراكز مراقبة كفاءة الأداء كي. بي. أي في مختلف أرجاء المعمورة إلى أكثر من 300 جهاز رسمي، موزع على 168 دولة، منها 91 في أميركا الشمالية و82 في بريطانيا و62 في دول الاتحاد الأوروبي و24 في أستراليا و21 في كندا و13 في كوريا الجنوبية و11 في الصين و6 في اليابان و5 في كل من الأرجنتين والبرازيل و3 مراكز في إيران ومركزان في جنوب أفريقيا.
وبينما كانت دول العالم تئن في الماضي تحت وطأة تقصير أجهزتها التنفيذية وهفوات مسؤوليها العفوية غير المدروسة، لعدم تطبيقهم معايير الكفاءة في أعمالهم، وتراجع قدراتهم في الدفاع عن أسباب فشلهم وتعثر مشاريعهم، أصبحت هذه الدول اليوم، من خلال مراكز مراقبة كفاءة الأداء، قادرة على متابعة أداء أجهزتها الحكومية للتأكد من نتائج أعمالها، والتحقق من تقارير مسؤوليها، والتحقيق في أسباب فشلها. ونتج عن ذلك اطمئنان السلطة العليا في الدولة على وضع مواطنيها ورفاهية مجتمعاتها ومستقبل أجيالها.
ولأن مصداقية الدول تُقاس بمدى تحقيق المسؤولين أهداف أجهزتهم، ومقدار احترام المواطنين لأنظمة أوطانهم، ازدادت ثقة الشعوب بحكوماتهم لأنها، من خلال مراكز مراقبة كفاءة الأداء استطاعت أن توفي بوعودها وتحقق أهدافها وتضمن المناخ التنظيمي اللازم لرفاهية مواطنيها. لذا سارعت معظم دول العالم لتأسيس أجهزتها المتخصصة التابعة لأعلى سلطة في الدولة، وحددت مؤشرات نجاحاتها الطموحة لقياس كفاءة أداء أجهزتها التنفيذية والتأكد من سلامة أعمالها.
في عالمنا العربي نحن في أمس الحاجة إلى مراكز مراقبة كفاءة الأداء، لتحديد ومتابعة ومعالجة نقاط ضعف أجهزتنا الحكومية في القضاء على البطالة، التي فاقت نسبتها 20% بين شعوبنا العربية مقابل 6% عالميا. في العام الجاري وصل عدد العاطلين إلى 25 مليون عربي، وقد يرتفع العدد في عام 2025 إلى 80 مليون عاطل، مما يتطلب ضخ نحو 70 مليار دولار لرفع معدلات النمو الاقتصادي في الدول العربية وتوطين وظائفهم.
كما نحن في أمس الحاجة لتحديد معايير كفاءة أهدافنا الرامية لتخفيض نسبة الأمية في وطننا العربي، ومتابعة المسؤولين وتحفيزهم لتخفيضها إلى أقل من 27% من إجمالي السكان. في العام الجاري فاقت هذه النسبة ضعف نسبة المتوسّط العالمي، مما يتطلب منا دراسة أسباب هذا التباين الكبير ومساءلة المسؤولين عن مؤشر التنمية البشرية. فمن الواضح أن دولة النرويج حققت مرتبتها الأولى عالميا في التنمية البشرية، وسبقت كل من أميركا واليابان وألمانيا، لأنها كانت سباقة في تأسيس مراكز مراقبة كفاءة الأداء.
وفي دولنا الخليجية نحن في أمس الحاجة لهذه المراكز، للتعرف على أسباب فشل سبع من أصل عشر شركات عائلية في تنفيذ عمليات انتقال ثرواتها إلى الجيل الثاني، فيما لا تنتقل هذه الثروة إلى الجيل الثالث إلا في شركة واحدة فقط من كل عشر شركات. وسوف نجد أنه أصبح لزاما علينا تطبيق قواعد الحوكمة في هذه الشركات ومراقبتها لكي تنجح في حماية حقوق الشركاء وتحييد أصحاب المصالح وتطبيق مبادئ الإفصاح والشفافية. فالشركات العائلية تعد العمود الفقري لاقتصادنا الخليجي، لأنها تشكل نحو 95% من إجمالي الشركات المسجلة وتوفر أكثر من 77% من فرص العمل، ويبلغ إجمالي ثرواتها واستثماراتها العالمية نحو 2000 مليار دولار أميركي، بينما تصل استثماراتها في دول الخليج إلى نحو 500 مليار دولار أميركي، لتغطي 72% من القطاع الاستهلاكي و48% من قطاع البناء والعقارات و32% من القطاع الصناعي و12% من قطاعات الطاقة والبتروكيماويات.
وفي المملكة نحن أيضا في أمس الحاجة لمركز مراقبة كفاءة الأداء، لتحديد معايير نجاح أو فشل الأجهزة التنفيذية في تحقيق أهدافها، مثل الإسكان والصحة والتعليم والعمل والتجارة والصناعة والشؤون الاجتماعية، إلى جانب قياس مدى فعالية سياساتها وقدراتها على تحقيق غاياتها وتحليل نتائج أعمالها. فنحن اليوم في أمس الحاجة لدراسة العقبات الأساسية التي تعترض سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في وطننا، ومعالجة طرق تخفيف اعتمادنا على النفط كسلعة وحيدة لدخلنا. وهذا يتطلب منا توسيع قاعدتنا الإنتاجية وتنويع مواردنا الاقتصادية وجذب الاستثمارات القيمة لأسواقنا، لتوطين وظائف أجيالنا. ولا ننسى أن علينا بناء المخزون الاستراتيجي لغذائنا ونقل تقنية تحلية المياه إلى شواطئنا، ومنع انحراف أسواقنا وتحصينها ضد أساليب الغش التجاري والتستر، واستيفائها شروط ومواصفات النموذج المثالي للمنافسة والتخصص، إلى جانب رفع الكفاءة الإنتاجية في صناعتنا وتجارتنا وخدماتنا.
وبينما نفخر بمعظم أجهزتنا الحكومية التي حققت العديد من الإنجازات في إدارتها وتنمية مواردنا، إلا أن هنالك أيضا بعض الإدارات والأجهزة والهيئات التي أخفقت في وعودها وخالفت أهدافها وتراجعت في سمعتها. لذا أصبح من واجبنا تأسيس مركز مراقبة كفاءة الأداء ليتبع السُلطة العليا في الدولة، وليكون الأداة الفعالة في مراقبة ومحاسبة الأجهزة الحكومية، والتأكد من تحقيق أهدافها الاستراتيجية، ومنع إخفاقها وتأخرها في تنفيذ مشاريعها وخططها التنموية. الإدارة العليا بحاجة ماسة لمراكز مراقبة الأداء في أجهزتنا الحكومية، لتصبح الضمان الرئيس لنجاح أهدافها ومواجهة تحدياتها.