هل إحساسي بقيمتي الذاتية مرتبط بأشياء أمتلكها؟ هل تهبني الأشياء إحساسا ولو طفيفا بالتفوق والتميز والأهمية؟ وهل فقدانها أو الحرمان منها قد يشعرني بشيء من الدونية؟
تحدثنا في مقال سابق عن (الأنا والأشياء) ورأينا كيف أن الأشياء تحوطنا وأنها وسائل تخدمنا، ولا يستطيع الإنسان أن يحقق الأهداف والغايات دون الأخذ بالأسباب وحسن استخدامه للأشياء، وكيف أن الله وضع في الأشياء خاصية تجعلها مؤهلة لتكون جزءا من الاختبار والابتلاء، فهي قادرة على أن تتحول من وسيلة إلى غاية ومن خادم إلى سيد.
وعرفنا أن تأثير الأشياء يشتد على الإنسان في المجتمعات التي تعيش ثقافة تساوي إلى حد كبير بين القيمة الذاتية ومقدار ونوعية ما يمتلكه الإنسان، حيث من الممكن أن تسمع سؤالا من البعض مثل: كم يساوي هذا الرجل؟ والمقصود بذلك كم يملك من المال والعقار والشركات، وذلك يتأتى من شدة تماهيهم بالمادة وتعريفهم أنفسهم من خلالها، حيث أصبحوا يعرفون الناس بما يملكون من ثروات.. والمجتمعات التي يغلب عليها الطابع المادي الاستهلاكي تحاول إيجاد ذاتها عبر الأشياء.
الأنا في تلك المجتمعات تشعر بالرضا لفترة قصيرة تزول وتعود بالرغبة الملحة للبحث عن المزيد من الأشياء في صور استهلاك وشراء، لأن الأنا لا تكف.. تقول للإنسان: أنا لم أكتف بعد، أريد المزيد، وعندما تمتلك تشعر بإشباع سطحي عابر سريع يتبعه احتياج للمزيد حتى يصبح إدمانا نفسيا على شراء الأشياء وتملكها، يتماهى معها الإنسان ليضخم بها الأنا هويته الزائفة.
إن التماهي مع الأشياء ظنا أنها تجلب السعادة والهناء هو وهم جماعي يعيشه عالم اليوم المادي الاستهلاكي، بل إن هذا الوهم قد تم كشف زيفه بالبحوث والدراسات العلمية.. فمئات الدراسات قامت لتجيب عن سؤال واحد: ما هو تأثير التكالب على الماديات على سعادة الإنسان وصحته الجسدية والعقلية والنفسية والروحية؟ وكانت الإجابة في دراسة تحليلية شاملة أجريت بمنهجية علمية دقيقة، بينت أن النظرة المادية للحياة والتعلق بالأشياء المادية يؤثران سلبا في صحة الإنسان الجسدية والعقلية والنفسية.
كما أن التماهي أو التماثل أو التطابق مع شيء من الأشياء هو أن أسبغ هذا الشيء إحساسي بذاتي، أن أعرِّف نفسي به وأن أحاول أن أجد نفسي فيه حتى يصبح هويتي وتصبح (أنا) عندما أقولها هي ذلك الشيء أو الأشياء التي أمتلكها، (الأنا) التي فينا تجعلنا نساوي بين الملكية والكينونة، أنا أمتلك إذاً أنا موجود، وكلما زاد ما أمتلكه كبرت (الأنا) فيَّ، وابتعدتُ أكثر فأكثر عن الإحساس بذاتي الحقيقية، روحي التي بين أضلعي، نفخة الرحمن التي فيَّ، كينونتي وحياتي الحقيقية.
تيقنت أن جشع (الأنا) هو سبب الحاجة الملحة المجنونة للمزيد والمزيد، وهو سبب انعدام تحقيق التوازن في توزيع الموارد بين البشر، وسبب الفقر والعوز والمجاعة في الأرض.
نظرت لنفسي وللناس من حولي فأدركت كيف أننا قد لا ندرك كثيرا من تماهينا مع الأشياء ومع ما نملك، حتى إذا فقدناها انكشف لنا مدى تعلقنا بها وتعريف ذواتنا من خلالها ورؤية هويتنا فيها.
قررت أن أتعمق وأن أختبر علاقتي بعالم الأشياء والممتلكات من خلال مراقبتي الذاتية لنفسي.. هل إحساسي بقيمتي الذاتية مرتبط بأشياء أمتلكها؟ هل تهبني الأشياء إحساسا ولو طفيفا بالتفوق والتميز والأهمية؟ وهل فقدانها أو الحرمان منها قد يشعرني بشيء من الدونية، أو أنني أتسامى فوقها وأعلم أنه ليست لها علاقة بماهيتي وذاتي الحقيقية.
قررت أن أضاعف الجهد في مراقبة علاقتي بالأشياء، فوجدت أنه على قدر المراقبة يوقظ في داخلي وعي قادر على تحديد مواطن الارتباط والعلاقة غير الصحية بيني وبين الأشياء.
لقد هالني مدى تعلقي بالأشياء، وبدا لي سبب حضور تلك الومضة من مقطع الفيلم الذي شاهدته قبل ثلاثين عاما، والتي تروي قصة إنسان تحول بين يوم وليلة من فقير إلى ثري، ثم بعد فترة تحول مرة أخرى من ثري إلى فقير، وإذا به يجد نفسه لا يستطيع أن يعيش كما كان يعيش في حالة فقره الأولى، وذلك بعد أن تعلق بالأشياء واعتادها، وتحضرني هذه الومضة في كل مرة أشتري فيها شيئا جديدا، خاصة عندما يكون ذلك الشيء أقرب للكماليات منه للأساسيات.
أعتقد أنني اليوم أكثر وعيا بطبيعة علاقتي بالأشياء. وهذا الوعي أصبح دافعي لتصحيح هذه العلاقة وإعادة الأشياء إلى مكانها الصحيح كوسيلة لا غاية وكخادم لا سيد. نعم أعتقد أنني أكثر وعيا أو هكذا يبدو لي، وقد أكون مخطئا، فالأنا ماكرة خادعة ما إن تطردها من باب حتى تأتيك من باب آخر، وقد تشعرك بما تريد فقط لتحصل هي على ما تريد.
أن نمتلك الأشياء ونستخدمها ونسخرها لعمارة الإنسان والأرض، فهذا خير كبير، وقد أسمى الله المال بالخير في القرآن، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، وقال نعم المال الصالح للمرء الصالح، ولكن الشر كل الشر أن نصبح نحن مملوكين لما ظننا أننا نملكه، أن تصبح الأشياء في قلوبنا بدلا من أن تكون في أيدينا، أن نُعرف أنفسنا بها، أن تصبح هويتنا وأن ننشغل بها عن ذواتنا الحقيقية حتى لا يعود في وسعنا الإحساس بالحياة.. هنا استحضرت مفهوم الزهد كما عرفه سيدنا علي - رضي الله عنه - عندما قال: الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك. أي أن نمتلك الأشياء بأيدينا لا بقلوبنا فنملكها ولا تملكنا.
توصلت إلى نتيجة أن المشكلة ليست في مضمون الأشياء ولا في ما تبحث عنه (الأنا) وإنما هي في بنية (الأنا)، وطبيعتها الجشعة، فلا يوجد مضمون أو شيء من الأشياء يمكن أن يشبعها ما دامت البنية التحتية لإنسان (الأنا) هي على حالتها لم تتغير. إنها (الأنا) التي خسفت بقارون الأرض، و(الأنا) التي أحاطت بصاحب الجنتين، ولكل زمان قارونه وصاحب جنتيه، تتغير الصور والأشكال والأحوال والأزمان، ولكن أصابع الاتهام كلها كانت وما زالت تشير للـ(أنا) في الإنسان.
سألت نفسي: ترى ماذا سيحدث للـ(أنا) هناك؟ أعني على فراش الموت.
لا بد أن كل إنسان سيدرك آنذاك لا محالة أنه لم يكن في يوم من الأيام شيئا من الأشياء التي كان يعرف نفسه من خلالها ويظن أنه هي، فالموت سيجردك ويعريك من كل شيء هو ليس أنت، وسندرك آنذاك أن ما كنا نبحث عنه طوال حياتنا كان موجودا دائما معنا في كل زمان ومكان وحال، ولكنه كان محجوبا عنا بتماهينا وتعلقنا بالأشياء.
إن إحساس (الأنا) الناقص بالذات هو حرمان داخلي دائم ومزمن لا يشبعه شيء، ويظل ينتقل من شيء إلى شيء آخر يعده بإشباع أكبر، ولكن هيهات للـ(أنا) أن تشبع، هنا تجلى لي البعد النفسي العميق لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستحضرته وكأني أسمعه لأول مرة في حياتي، قال صلى الله عليه وسلم: لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولو أن له واديين لتمنى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.