هل يستطيع التعليم رفع مستوى إدراك الفتاة لتفرق بين الإعجاب والحب؟ وماذا يعتبرها الطرف الآخر؟ وكيف تصون نفسها عن الاستغلال؟ هل علمها كيف لا تسقط مع أول إطراء، وألا تبحث عن إرضاء الطرف الآخر على حساب رغباتها؟
قال أستاذي متعجبا: إن طالبة سعودية تزوجت مشرفها الذي تجاوز الستين عاما، بينما لم يتجاوز عمرها هي السادسة والعشرين! ثم تساءل: كيف تفكر هذه الفتاة؟ هل تريد الجواز البريطاني مثلا؟ صعقت من كلمته وقلت: لا بد أنها تحبه، فلا يشكل الجواز البريطاني أهمية أكثر من السعودي، ثم وجدت شيئا من الألم في داخلي. لا يمكن أن يكون قرارا عقلانيا، ما الذي يدفع صبية للمغامرة بكل حياتها هكذا، بل ما الذي تتوقعه من رجل يتجه للتقاعد من كل شيء، وهي تستعد للانطلاق نحو كل شيء؟! قال أستاذي وهو يغادر: يجب على أحد أن يخبر والديها بأنه يمكنهما الاعتراض على الزواج لكبر سن الزوج وستقبل المحكمة في بريطانيا ذلك، فلا منطق في ذلك.
في مكان آخر كانت فتاة أخرى تخبر أنه بعد نقاش حاد مع والدتها حول قرارها الزواج من مشرفها الدراسي أقفلت الأم الخط وهي تردد: قلبي غاضب عليك. علقت الفتاة على موقف أمها قائلة: هي ترفضه لأنه غير مسلم، لكنه قال لي إنه على استعداد للدخول في الإسلام من أجلي.
طوال الطريق وأثناء عودتي إلى منزلي كنت أفكر بهذه العبارة سيدخل الإسلام من أجلي، كيف اعتبرتها الفتاة إطراء لها، ولم تهتم بأن ذلك يعني أن مشرفها الدراسي الذي تجاوز الخمسين مستعد أن يغير مبادئه من أجل موقف عاطفي؟ تساءلت كيف وهي طالبة دكتوراه وفي تخصص علمي دقيق تثق في رجل مثله؟
عندما عدت إلى البيت كان تويتر أيضا مشغولا بحكاية زواج أخرى، وهذه المرة لشاب سعودي من عجوز أميركية نشر صورهما في مواقع التواصل مع عبارة له تعني إجمالا لم أكن حيا طوال 32 سنة عشتها، لقد اختصرت عبارته كل شيء، الفتى لا يبحث عن زوجة بل عن وطن، فكانت هذه المرأة التي تجاوزت سن أن تكون أمًّا لأطفاله وسيدة تشاركه اهتماماته مجرد وسيلة للبقاء في أميركا.
في السعودية الأمر ليس أفضل كثيرا، لأنك تجد شابا يخبر الفتاة التي استمرت علاقتهما افتراضيا أو في الواقع بأنه لا يستطيع أن يتزوجها، لأنها تبدو فتاة سهلة سمحت لقلبها أن يطير مع أول رتويت، لذا سيخطب الفتاة التي اختارتها عائلته وقالوا إنها محترمة جدا بمقاييسه التي لا يطبقها، ويجد من الواجب أن تطبقها عروسه المستقبلية، وبلغة أخرى يترك حبيبته ويتزوج حبيبة غيره.
في الواقع، الأمر يبدو ظاهرة، السعوديون فتيانا وفتيات يتخبطون في مسائل الزواج، ولا يبدو أن لديهم وعيا كافيا لإدراك أهمية قرارهم ومسؤوليتهم تجاه الأطفال القادمين الذين سيلزمنا كمجتمع أن نتحمل الخلل المكتسب من علاقة الوالدين المضطربة غالبا. كما أننا أمام أعداد هائلة من التعساء الذين أضاعوا فرصة الزواج من شريك مناسب.
إن معالجة هذا الوضع يستدعي الكثير وأولها دور التعليم. هل تساءل القائمون عليه: هل تؤدي المناهج والمعلمون دورا حقيقيا في صناعة وعي الإنسان في بلادنا، وبالتالي قدرته على الاختيار ومدى جاهزيته للتغلب على الضغوط التي يمارسها عليه أناس خسروا حياتهم ويريدون منه اتباع طريقهم في التعاسة؟!
هل يستطيع التعليم رفع مستوى إدراك الفتاة لتفرق بين الإعجاب والحب؟ وماذا يعتبرها الطرف الآخر؟ وكيف تصون نفسها عن الاستغلال؟ هل علمها كيف لا تسقط مع أول إطراء، وألا تبحث عن إرضاء الطرف الآخر على حساب رغباتها هي؟ وليس كل كبير في السن هو الأقوى والأميز والأكثر سطوة وجاذبية، هل يستطيع التعليم أن ينقذها من فخ الأبوية حتى في علاقتها برجل المفترض أن يكون شريكا مساويا؟ هل يستطيع تعليمنا أن يعلم الفتى أن الفتاة كائن مساوٍ له في الحقوق والواجبات وفي الخطأ والصواب والشرف أيضا، وأنه إذا رأى نفسه ما زال طاهرا يستحق الزواج بعد علاقة حب يجب أن ينظر لشريكته في هذه العلاقة بالنظرة نفسها، فلا يحتقر فتاة لأنها ردت له كلمة لطيفة بكلمة لطيفة أيضا.
هل تتحرك مؤسسات الدولة لمساندة خيارات الشباب السوية وتقصي خيارات أناس متطرفين ومتعصبين للون والجنس والجد التاسع عشر، أم سيستمر تطليق الفتيات لأن صاحب الكتاب الفلاني قال إن جد جد الفتى كان حلاقا؟
إن قصص هؤلاء الشباب التي يسخر منها الناس في تويتر لم تأت من فراغ، بل من مجتمع صنع كائنات تنتحر وهي ما زالت على قيد الحياة تتخبط وهي سجينة العادات والتقاليد، وتتخبط أكثر وهي في عالم الحريات فلا أحد أخبرهم بأن عليهم فقط أن يكونوا بشرا.