على وزارة التعليم أن تحرص على تفعيل فكرة التربية الإعلامية كمشروع مستقل، ومقرر متكامل يوجه إلى الطلاب في مراحل التعليم العام والعالي، ليتعاملوا معه بمهارة واستقلالية
كُتب حول التعليم في الفترة الماضية العشرات من المقالات بعد التغييرات الوزارية الأخيرة التي أُقرت بعد انتقال الحكم للملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، قبل عدة أسابيع، خاصة فيما يتعلق بدمج التعليم العام والعالي في وزارة واحدة تحت اسم وزارة التعليم، التي أصبح الأستاذ عزام الدخيل وزيرا لها، وأحاطه ما أحاطه من هالة تفاؤل وظنٍ حسن بأن يكون هذا الدمج والتعيين بابا نحو نقلة شاملة ونوعية في التعليم بالمملكة، وأن تكون هناك عملية تقارب وتكامل بين الجهتين مع الكثير من الأمنيات التي تتناول التعليم تطويرا وتحسينا وإضافة وحذفا.
وبعيدا عن كل هذه الرؤى والطروحات والطموحات التي كتب عنها عدد من الأساتذة والإخوة الزملاء في مقالاتهم، سأتطرق هنا بشكل مبسط لأحد الجوانب في منظومة التعليم الشاسعة التي لا يُلقى لها ولا لدورها أهمية كبيرة، وقد لا تؤمن بعض القيادات في التعليم -على مستوى المدارس- بأهميتها وجدواها في العملية التعليمية، وهي: العلاقة بين الإعلام والتعليم من واقع الميدان لا الدراسات. لن أتحدث كثيرا عن مفهوم الإعلام التربوي الذي يُستخدم منذ عشرات السنوات في التعليم العام ولا عن تاريخ بدايته في تاريخ التعليم في المملكة العربية السعودية منذ أيام وزير المعارف محمد الرشيد، رحمه الله، حينما أقر إنشاء إدارة عامة للعلاقات العامة والإعلام التربوي. بل عن الآلية التي يسير بها الإعلام التربوي الذي يعتمد غالبا على خطة سنوية تضعها الإدارات في مختلف المناطق ويعهد لمنسقي الإعلام التربوي في المدارس -الميدان الأول المهم للعمل التربوي والمرتبط مباشرة بالطالب- تنفيذ ما يخصهم فيها. ويكون عمل منسقي ومنسقات الإعلام التربوي في المدرسة قائما في المجمل على متابعة الفعاليات التي تقام في المدرسة، خاصة تلك المتعلقة بإحياء المناسبات والأيام المحلية والعالمية والأنشطة اللامنهجية ونقلها إلى إدارات الإعلام التربوي على هيئة تقارير مرفق بها صور إن وجدت، وهي بدورها تزود بها وسائل الإعلام المقروءة أو المرئية. وقد تشمل الخطة الخاصة بالمنسق القيام بحملة ما في المدرسة تمتد لأسابيع أو لفصل دراسي كامل، وربما مسابقات محدودة ومشاريع خجولة، وإصدار نشرة إعلامية سنوية أو نصف سنوية تتضمن ذات الأخبار غالبا وبعض المشاركات من منسوبي المدرسة. وبهذا ينتهي دور الإعلام التربوي في المدرسة وهو دور تقليدي وبدائي لا يخدم العملية التعليمية في الوقت المعاصر كما يجب، ولا يسخّر أدوات الإعلام تربويا لخدمة الطالب.
لقد كان الالتفات لدور الإعلام في التعليم في البداية وحتى الآن بوصفه دورا دفاعيا يهدف للوقاية والتوعية والإرشاد وحماية الطالب من سلبيات الإعلام، ولكن مع اتساع تأثير وتنوع الأدوات الإعلامية في الوقت الراهن أصبحت الصناعة الإعلامية ضرورة ينبغي التعامل معها بمنظور تربوي من هذا المنطلق وتمكينها في العملية التعليمية بالخروج عن الصورة النمطية للأدوار السابقة للإعلام التربوي. هذه الضرورة ستحوّل الأسلوب الوقائي في التعامل مع الإعلام لأسلوب تمكين وتعلم مستمر يهيئ النشء للتعامل مع الإعلام بمختلف أنواعه بطريقة سلوكية صحيحة تناولا وتحليلا في سياقات واعية، ويمكنه من الإبداع في هذا المجال تفاعلا وتحريرا وإنتاجا لمواد إعلامية مختلفة، كما ينمي مهاراته الفردية في الحوار والتعبير عن الذات والنقد وتقييم ما يمر عليه من مواد إعلامية في زمن يحكمه الإعلام الجديد ذي الإيقاع المتسارع والمتغير كل يوم.
لقد تنبهت كثير من الدول العالمية والعربية لهذه المسألة مبكرا وتبنت فكرة التربية الإعلامية في مقرراتها ومناهجها الدراسية وهذا ما تلفت النظر له منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو) في مؤتمراتها حول التربية الإعلامية التي أختصر هذه الأهمية بعبارة أطلقتها: يجب أن نُعدّ النشء للعيش في عالم سلطة الصورة والصوت والكلمة. ولم تكن المملكة بمعزل عن هذا الاهتمام، فقد عُقد فيها أول مؤتمر دولي للتربية الإعلامية في 2007 بمدينة الرياض وبرعاية من الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، وقد كان أكبر تظاهرة من نوعها في الشرق الأوسط من حيث عدد المشاركين والمتعاونين في التنظيم والمحاور التي نوقشت والمعارض المصاحبة. وكانت أول توصية في هذا المؤتمر تنص على: ضرورة العناية والاهتمام بمفهوم التربية الإعلامية في مراحل العملية التعليمية المختلفة، ويقترح اعتماد مقرر (التربية الإعلامية) بحيث يكون أحد المقررات التي تدرس في مراحل التعليم العالي.
والآن بعد مرور أكثر من خمس سنوات على هذا المؤتمر وما أقر فيه من توصيات مختلفة، وما رافق هذه السنوات من تغييرات هائلة في الصنعة الإعلامية، وتغييرات اجتماعية وسياسية واقتصادية محيطة لن يكون النشء بمعزل عنها ولا عن التأثر بها من خلال وسائل الإعلام المختلفة؛ ينبغي على وزارة التعليم أن تحرص على تفعيل فكرة التربية الإعلامية كمشروع مستقل ومقرر متكامل موجه للطلاب في مراحل التعليم المختلفة، العام والعالي، واستبدال الإعلام التربوي بما يتناسب مع المرحلة الحالية من التطور الإعلامي بطريقة واعية تعمل على تعزيز فكرة عملية التعلم المستمر، وتُشرك فيه مؤسسات المجتمع الحكومية والخاصة لتقديم ما يخدم النشء وتهيئته للتعامل بمهارة واستقلالية مع المواد الإعلامية المختلفة في حياته اليومية.