في حاضر سوق عكاظ، يتحقق تواصل جميل، يضع التقدم العلمي والحضاري، وما أبدع من تقنيات على كل الأصعدة، في خدمة المشروع الجديد. والأنشطة واسعة ومتعددة، تشمل إحياء تراث الماضي، وجعله يتواءم مع لحظة مختلفة من الزمن
خلال خمسة أيام امتدت من 19- 23 من شهر شوال، شهدت مدينة الطائف عرسا كبيرا، بعودة النشاط والحركة، إلى سوق عكاظ، مضيفا إلى جمال المدينة زهوا آخر، يلتقي فيه عبق الذكرى بسحر التاريخ. فالسوق، العريق، الذي كان في يوم من الأيام، أكبر المنتديات الأدبية العربية، حيث الشعر والفكر، وتبادل المنافع الاقتصادية والتجارية، وصنع القرار حيث يجتمع زعماء القبائل، من مختلف مناطق جزيرة العرب، وما جاورها، يعقدون الاتفاقيات والمعاهدات والأحلاف. يواصل السوق حراكه بنبض جديد، في مهرجاناته المعاصرة، للسنة الرابعة على التوالي، ليس للعودة بالسوق إلى سابق عهده فقط، ولكن لينطلق برؤية مختلفة وروح جديدة، مجسرا علاقة من نوع خاص بين التاريخ والحاضر والمستقبل.
فعلى صعيد التاريخ، كان لسوق عكاظ دور كبير، في الحفاظ على اللغة العربية وإثرائها، وجعلها أكثر جزالة وانتشارا. لقد تعددت ـأنشطة السوق، لتشمل الثقافة والأدب، شعرا وخطابة بمختلف طبقاته، وعن طريق عكاظ بقيت الفصحى حية، حالت تفاعلاتها دون طغيان اللهجات المحلية، وتغلبت على قيض الصحراء، وكثبانه الرملية المترامية الأطراف. فكانت وحدة الثقافة تعويضا عن القطيعة، التي فرضتها الصحراء اللافحة، وبعد المسافات. وقد عكست هوية المكان، لفحول الشعراء الذين كتبت معلقاتهم، طبيعة التواصل الثقافي والحضاري والفكري بين أمة العرب.
كان هذا التواصل، قد عبر عن ذاته، بسياقات عدة، أهمها هذا السوق، وأسواق أخرى، كمجنة وهجر وذو المجاز، أسهمت جميعا في علو مكانة وازدهار أم القرى، وبلوغ أهلها مهارة في التجارة، لم يدانيهم فيها أحد في عصرهم، حيث القوافل تشق عباب الصحراء من كل صوب، محولة تلك الأسواق، إلى مراكز تعج بالصخب والحيوية والحركة. وكانت تلك الأسواق، أيضا مراكز للمساجلات الأدبية والفكرية، حيث تتنافس القبائل، على لسان شعرائها، ويحتشد الجمهور، مبديا استحسانه أو ازدراءه لما يسمع، وتتواجد مجموعة من المحكمين من ذوي المكانة والخبرة، حيث تختار القصائد الفائرة، فتكتب بحروف براقة جميلة وتعلق في أماكن معروفة، أو تحفظ في مخازن الأمراء تراثا خالدا قيما. وقد بقيت لنا من معلقات الشعر سبع قصائد شهيرة، معروفة في الأدب العربي.
ويذكر ويل ديورانت في كتابه قصة الحضارة أن شعراء سوق عكاظ، كانوا ينشدون أشعارهم على أنغام الموسيقى، وأنهم جمعوا بين الشعر والموسيقى، وكان الناي والمزهر والدف هي أحب الآلات المتوفرة لديهم. وكان من نتيجة التواصل الأدبي والفكري، أن عاشت صحراؤنا العربية وضعا مغايرا لخصال البدو الرحل، في المجتمعات البشرية الأخرى. فالبدوي الذي يقيم خيمته بعيدا في الصحراء، وينتقل بها من مكان إلى آخر، بحثا عن الكلأ والماء، نجده ناطقا بالشعر والحكمة. إن التمعن في قصائد التغلبي عمرو بن كلثوم، وقصائد لبيد وعنترة بن شداد وطرفة بن العبد وامرئ القيس والأعشى، وغيرهم من الشعراء العرب، ممن عاشوا في الحقبة التي انتشرت فيها أسواق العرب، يرينا أن هؤلاء لم يكونوا بدوا، بالمعنى التقليدي للكلمة، برغم أنهم عاشوا في ظروف مشابهة، لتلك التي يعيشها البدو. فإرهاصاتهم وإبداعاتهم تؤكد أنهم نتاج حالة التواصل، والبيئة المتقدمة التي شهدتها أسواق العرب. وحين بعث الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجد في حفدة هؤلاء الرجال الكبار، حملة صادقين لرسالته، مجسدين حالة التواصل، وأن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام.
في الحاضر، يتحقق تواصل جميل، من نوع آخر، يضع التقدم العلمي والحضاري، وما أبدع من تقنيات على كل الأصعدة، في خدمة المشروع الجديد. والأنشطة واسعة ومتعددة، تشمل إحياء تراث الماضي، وجعله يتواءم مع لحظة مختلفة من الزمن. فكان على هامش الأنشطة معرض للكتاب، وخيمة كبيرة، تحمل عنوان لوحة وقصيدة، شارك فيها عشرات الفنانين التشكيليين، مؤكدة رغم اختلاف مستوياتها الفنية وتعدد أساليبها، العلاقة الصميمة بين الشعر والفنون التشكيلية. فالأول رسم بالكلمات، بمعنى أنه يلتقي مع الفنون التشكيلية، في كونها تعبيرا عن أفكار وعواطف، وإيقاع ورموز وروح وتأثيرات مختلفة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتحقق حضور التاريخ، في أشكال وألوان جديدة.
وكانت هناك مسابقات عكاظ، شملت الشعر وكتابة الخط، والتصوير الضوئي. والملاحظ أن هذه المسابقات شملت شعراء وفنانين من خارج المملكة، تعاملوا مع زملائهم من شعرائنا وفنانينا، بما يعكس رغبة صادقة، في تعميم روح التضامن والتكاتف بين أبناء هذه البلاد، وأشقائهم في البلدان العربية. وقد قام صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة بتسليم الجوائز للفائزين.
وبالمثل كانت هناك مشاركات واسعة لشعراء عرب، من أقطار عربية مختلفة، في فعاليات المهرجان، التي استمرت لأربعة أيام، وتناولت تجارب الكتاب، وندوة نقدية لشعر طرفة بن العبد، وندوة أخرى حول المستشرقين والشعر العربي. وندوة ثالثة، حول التاريخ الاقتصادي لسوق عكاظ، وأخرى بعنوان المسرح السعودي إلى أين؟.. كما شملت أمسيات شعرية شارك فيها شاعرات وشعراء من مختلف أقطار الوطن العربي. إضافة إلى ذلك، استمر عرض مسرحية طرفة بن العبد، طيلة أيام المهرجان، وشهد افتتاح المهرجان، أداء أبريت خاص بالمناسبة. واستمر سباق الهجن طيلة أيام السوق. وشهدت جادة عكاظ نشاطا تجاريا واسعا.
حول المستقبل، أوضح راعي المهرجان الأمير خالد الفيصل، أن هناك طموحا كبيرا، أن يتحول سوق عكاظ، إلى مهرجان عالمي، وألا يقتصر دور السوق على إحياء التراث، بل الاتجاه أيضا إلى المستقبل، ليكون مشهد المهرجان، معربا عن معطيات وإنجازات هذه اللحظة من التاريخ، إضافة إلى الدور التراثي الذي يضطلع به.
بوركت الجهود المخلصة، التي تعمل على استعادة التاريخ المجيد لمنطقتنا، مجسرة حاضرنا بعبق الذكرى وسحر التاريخ.