لا تخافوا الكتاب ولا تستكثروا ثمنه، بل احتفوا به واشتروا الجيد، ولو لم تقرؤوه فيمكن أن تورثوه لذريتكم، وتذكروا أن حرف الألف بالخط المسند العربي يشير إلى رقم وحرف في آن معا

شيعتُ أحلامي بقلبٍ باكِ
ولممتُ من طرق الملاحِ شباكي
ورجعتُ أَدراجَ الشباب ووِرْدَه
أَمشي مكانَهما على الأَشواك
ولقد مررتُ على الرياض بربْوة
غَّناءَ كنتُ حِيالها ألقاك.
أحمد شوقي
اليوم أبحر مع الكتاب، ومعرض كتاب الرياض يستقبل زواره كعادته كل عام كما يستقبل المواقف المتباينة منه، لأقول إنه حين احتاج الإنسان إلى التعبير عن أفكاره بدأ يخطها على الرمل والحجر كتابة تصويرية تمثل رقصة دينية أو حربية أو تحكي عن بطل عظيم كشاهد قبر له مدفوعا بحب أو إعجاب أو علاقة من نوع ما مع السلطة، ومن أقدم المناطق التي عرفت الكتابة وطورتها العراق وبلاد الشام، حيث الفينيقية ومصر مهد الهيروغليفية واليمن الذي خط الخط المسند العربي.
وفي الوقت ذاته، غلبت على الثقافة العربية في شبه جزيرة العرب كونها شفهية ينقل بها الشعر الجاهلي والأخبار دون تدوين وربما كان السبب قلة الموارد وأدوات الكتابة.
بقيت الثقافة العربية تعتمد على الشفهية حتى أسهم العرب في نقل سر صناعة الورق من الصين، فتحولت الأشجار من تنقية الهواء إلى تنقية العقول!
من أشهر عشاق الكتب العرب الذين تنفسوا هواءها الجاحظ الذي لم يمنعه مرضه بالفالج من التجول في دكاكين الوراقين ليلا لرخص ثمنها وفضلها على منادمة عِلية القوم الذين رغبوا في صحبته حتى قتلته الكتب، وبقي حبه لها حيا فيما كتب بها وعنها!
يقول الجاحظ من نص طويل واصفا الكتاب: (والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوَّد بيانك، وفخَّم ألفاظك، وعمَّر صدرك، وحباك تعظيم الأقوام، ومنحك صداقة الملوك، يطيعك في الليل طاعته بالنهار، وفي السفر طاعته في الحضر، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة)!
حين نقل العرب كنوز العالم وترجموها في بغداد ظهرت براعة العقل العربي المكتوب نثرا وشعرا، وحين سقطت بغداد يخبرنا التاريخ أنه سالت بحبر الكتب أنهارها حتى قد نتوهم أن ذاك الزمان لم يكن إلا لكتاب وقارئ!
مرت سنوات اقتصرت العناية بالكتب وتناقلها على قلة قليلة تسكن حواضر المدن العربية، ولكن القلة حفظت لنا الكثير رغم أن ما ضاع أكثر بكثير مما بقي!
سأقصر الحديث عن المملكة تزامنا مع معرض كتاب الرياض. في عصرنا الحديث نالت الكتابة والتأليف عناية متأخرة ارتبطت بالطفرة الاقتصادية، وكان مظهر الكاتب أو حامل القلم والكتب يوحي بأناقة تشبه أناقة مرتدي أفخم الماركات العالمية، فقد كان الحرف وعيا في مجتمع غلبت عليه الأمية!
مرت السنوات والكتب وعشاقها في فلك يسبحون يشترونها وتزين غرفهم أو تنفرد بغرفة المكتبة، وتصاعد نجم كتاب الصحف الذين بدأ بعضهم الكتابة المطبوعة بعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية لعمق قراءة الكاتب في مرحلته الابتدائية! أذكر أن الأديب عبدالله نور -رحمه الله- في معرض حديث عن علاقته بالكتاب في مقابلة تلفزيونية قال ما معناه: إنه قرأ في طفولته معجما -أظنه القاموس المحيط- وحفظه ولم يكن يعلم أن المعجم لا يحفظ!
وحزن حمد الجاسر -رحمه الله- حزنا شديدا على مكتبته الثرية بلبنان التي احترقت وذهب معها عدد من المخطوطات والمطبوعات التي كان يملكها، وباختصار كان الرواد كتابا أو مكتبة تمشي على الأرض يحترمها حتى الجهلاء!
كان الحرف القريب الصحف والمجلات مع قلة من الكتب التي تصلنا مما يسمح به الرقيب أو يطبع هنا والمستقبل يبشر بالخير، ولكن في زمن لاحق بدأت الثقافة الشفهية تعود لتقود الحياة، ومشكلة هذه الثقافة بعدها عن التوثيق والدقة واعتماد ثرثرة لحظية مبنية على تصورات شخصية أو حتى نظرة سوداوية للحياة تلبست بثياب التدين! هذه الشفهية عادت في الشريط الذي حرَّم بعض المتحدثين على المسلمين شراء الكتب والمجلات ما لم تكن تتحدث عن الدين، لأن هذا مضيعة للمال والوقت!
لن أحدثكم عن نبرة الصوت المرتفعة ولا المغالطات ولا القصص الأسطورية التي تبناها هذا الشريط، لكن مقارنة بسيطة بينه وبين الكتاب نجد أن الكتاب عانى قسوة رقيب يمنعه، لأن المنع أسهل من القراءة، وعانى شريطا ينتشر دون قيود وينفر البسطاء والجهلاء من الكتاب باعتباره شرا مستطيرا، بينما فتح الرقيب الباب على مصراعيه للشريط فلم يصادره ولم يحاكم خرافاته!
لك عزيزي القارئ أن تتأمل أن بعض مؤلفات وزير كغازي القصيبي ظلت ممنوعة حتى وفاته، بينما أشرطة بعض من كانت توجهاتهم غير وطنية كانت متداولة بين الناس، مسجلة ومغلفة تباع بعشرة ريالات، ثمن ثرثرة يأخذها من المطمئنين إلى أن ثمنها ليس مما يسأل الله عنه يوم القيامة كما يحدث مع الكتاب!
اليوم: هل تذكرون الكتاب؟!
كان لعجلة التنمية أن تندفع بقوة لو بقينا نحترم الكتاب الذي ينقل لنا خلاصة عقول المفكرين والمبدعين.. فالحضارات والأديان كتاب.
لا تخافوا الكتاب ولا تستكثروا ثمنه، بل احتفوا به واشتروا الجيد، ولو لم تقرؤوه فيمكن أن تورثوه لذريتكم، وتذكروا أن حرف الألف بالخط المسند العربي يشير إلى رقم وحرف في آن معا.. فمرحبا بكم ألف في الرياض.