واضح أن الابتعاث لم يلغَ حسب كلام الوزير، لكن ما زال هناك بعض الغموض حول آليات التطوير، أو شروطه أو المراحل التي ستختص البعثة بها، وهل هي فعلا تختص بالموظفين والدراسات العليا أم تشمل الجميع؟
كثير من القرارات لدينا في عدد من الإدارات والوزارات يأتي بشكل ارتجالي ولا يتكئ على استراتيجية واضحة المعالم يستطيع المواطن أو المسؤول أن يقيس تحققها أو عدم تحققها، كما يصعب عليه فهم آليات تطبيق تلك القرارات، ويحصل كثير من التخبطات في مثل تلك الحالة، لأن غياب الخطط الاستراتيجية هو غياب للعمل المنظم والمنسجم مع تطلعات المواطنين والمسؤولين، فهل يوجد في وزارة التعليم سواء في جانب التعليم العام أو في جانب التعليم العالي مثل تلك الخطط حتى يستطيع المواطنون قراءة اتساق قرارات الوزارة مع تلك الخطط؟
من الصعب الإجابة بنعم، أو لا في الوقت الحالي، خاصة مع دمج وزارة التعليم العام مع وزارة التعليم العالي ليبقى السؤال معلقاً حتى حين، إلا إذا كان الاعتماد على الخطط السابقة هو الذي يجري حالياً، لكن مع دمج الوزارتين فبالتأكيد أن خططا كثيرة تغيرت أو ستتغير، وهذا ما سيتضح خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة.
والابتعاث كان من أهم الأعمال التي قامت بها وزارة التعليم العالي سابقاً، بل ربما كان من أهم أعمالها على الإطلاق في السنوات العشر الأخيرة، ولعل برنامج الملك عبدالله للابتعاث كان الفرصة الأوسع لأبناء هذا الوطن بالابتعاث في مراحله الثلاث: البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في مختلف التخصصات، واستفاد منه عشرات الآلاف من الطلاب، لذلك كان يتصدر أهم مشروع لتطوير التعليم في السعودية.
صحيح أن مقالات كتبت سابقا في نقد الابتعاث المفتوح على أوسع نطاق، وصحيح أن كثيرا من الطلاب العائدين وجدوا مشكلات كثيرة في قبول تخصصاتهم سواء في الجامعات أو في بعض القطاعات الأخرى إلا أن الابتعاث في حد ذاته كان مهما للغاية.
هل بني الابتعاث سابقا على رؤية استراتيجية بعيدة المدى وواضحة المعالم، أم أن المشروع كان من القرارات الارتجالية التي نجحت من غير تخطيط مسبق وعميق وفق دراسات جادة استطاعت رسم هدف عام وبنت المشروع على أساسه؟
بغض النظر عن الإجابة بالسلب أو بالإيجاب فإن المشروع كان من أنجح المشاريع التعليمية رغم ما شابه من قصور في كثير من أموره وفي بعض جوانبه، وقد نقدت سابقا من عدد من الكتاب في وقتها وليس من المفيد الآن العودة إليها.
بعد دمج الوزارتين تضاربت الأخبار حول إلغاء برنامج الابتعاث، وقصره فقط على الموظفين وعلى الدراسات العليا، لكن اتضح أن الذي ألغي هو ترقية البعثة التي كانت من صلاحيات الملحقات في سفارات دول الابتعاث، ولكن لا نجد خبراً يؤكد ذلك بشكل واضح وسليم أو ينفيه حتى في موقع الوزارة الإلكتروني، ويبقى الموضوع خاضعاً للتكهنات والتساؤلات العديدة.
لكن جاءت تغريدتان لمعالي وزير التعليم عزام الدخيل على صفحته في تويتر توضحان عدم إيقاف البعثة وأنها ستخضع إلى آليات جديدة، قال فيهما ما نصه في التغريدة الأولى: الابتعاث مصدر مهم لنقل العلوم والتجارب المتميزة؛ لذا سوف يستمر الابتعاث مع العمل على تطويره لضمان الاستفادة القصوى منه بما ينسجم مع أهدافه، ألحقها بتغريدة تالية: المرحلة الثالثة للابتعاث هي استكمال للمرحلتين السابقتين لتعزيز الموارد البشرية للوطن وستخضع للمنهجية المتبعة نفسها في تقييم البرنامج وتطويره، وانتهى على ذلك في تغريدتيه دون أن يوضح ما مصير ترقية البعثة وكيف ستكون آلياتها!
من الواضح تماما أن الابتعاث لم يلغَ حسب كلام الوزير، لكن ما زال هناك بعض الغموض حول آليات التطوير، أو شروطه أو المراحل التي ستختص البعثة بها، وهل هي فعلا تختص بالموظفين والدراسات العليا أم تشمل الجميع؟ وما هي الآليات المتبعة في إلحاق البعثة من قبل الوزارة إذا كانت قد ألغيت من الملحقيات؟
كل تلك الأسئلة لا إجابة واضحة لها لا في الأخبار التي نزلت في الصحف، ولا في موقع الوزارة، ولا في تغريدات الوزير، وعلى الوزارة أن تصدر بياناً توضح فيه جميع الآليات والقرارات الجديدة بشكل دقيق لتكون واضحة لكل من أراد الاطلاع عليها.
في مقابل ذلك فتح عدد من المبتعثين المتضررين من إلغاء ترقية البعثة هاشتاق أو وسما في تويتر يطالبون باستثناء دفعتهم من الإلغاء حيث كان القرار مباغتاً، فإن كان لا بد من إلغائه فلماذا لم يكن بشكل مرحلي وليس بشكل مفاجئ لتضرر عدد كبير من الطلاب المبتعثين الذين كانت فكرة ترقية البعثة فرصة كبيرة لهم بالالتحاق والاستفادة منه؛ إذ يبدو أن قرار ترقية البعثة من الملحقيات جاء ارتجالياً ولم يخضع لدراسة لعدد المتضررين، أو إمكانية استثنائهم أو وضع آلية بديلة لإلحاق المبتعثين قبل قرار الإلغاء، فبرنامج بهذه الأهمية، كما يعتبره الوزير كذلك في تغريدتيه، لا يجب أن يكون خاضعا إلى القرارات السريعة والمفاجئة، بل كان من الواجب أن يكون مرحليا أو يخضع لبدائل تكون في صالح الناس وليس ضدهم على الأقل إلى فترة وجيزة ومؤقتة حتى تظهر قرارات جديدة لاحقة تحقق المصلحة العامة من الابتعاث.
من المعروف أن الوزارة جاءت من أجل خدمة المجتمع، وخدمة المجتمع ليست باتخاذ قرارات مفاجئة تربك كثيرا من الأمور المعمول بها خاصة تلك التي تتعلق بالطلاب في الخارج، ومن المهم كذلك ألا تخرج القرارات إلا بعد دارسة متفحصة وفق بيان واضح وعدم تركها للتكهنات والأسئلة والآراء الشخصية.