كنت أذهب إلى الإذاعة وأضطر للمشاركة في برامج مليئة بالكذب، طعم مالح كان يملأ حنجرتي ويدفعني إلى الرغبة في الصراخ، كنا نرغم على السخرية من المتظاهرين والاستهزاء بدموع الأمهات الثكالى، ونروج لوجود عصابات مسلحة ومتطرفين
الحب في زمن الحروب والثورات يتحدى الموت، يتنفس ويتمرد، يرفض أن يسجن في علبة الخوف.
الحب لا يخشى السجون ولا القنابل المسيلة للدموع ولا الدبابات البعيدة، بل يخشى الموت برصاصة قناص تسرق عمره قبل اكتمال أمنياته المؤجلة.
شهيتنا للحب تزداد كلما زاد الخوف والموت والعبث، كأننا نسابق المتبقي من أعمارنا المرتهنة، نركض صوب الفرح والشمس والهواء والتفاصيل الصغيرة في أيامنا الملغومة، لتبدو هذه الحمى من الرغبة في اكتشاف الأشياء فرصتنا الوحيدة لنعيد التقاط ما ضاع من أعمارنا المنكوبة والقابلة للانتهاء في أي لحظة.
هذه الكثافة في اشتهاء الحب والحياة والموصولة بحبل سري مع الموت تستعر كلما صغرت المسافة بيننا وبينه، تضاؤل هذه المسافة كان يدفعني لأغب من كأس الحياة كمن يراها لأول مرة، أحاول إعادة اكتشاف السعادات القديمة: الشعر، الموسيقى، الروايات الجميلة، ورد حديقتي، الأطباق الشهية، تفاصيل المدينة القديمة، وجه أمي، ثرثراتي مع الصديقات، والحب.
أي جنون وحمق يحيقان بالكائن وهو يراقب أصابع الموت العابثة تعزف سيمفونية الوداع؟
أي صراخ تطلقه الرغبات الخرساء المطمورة في عتمة الأيام المهددة بالاغتيال؟
لم يكن الرصاص على مرمى مسافات قريبة من بيتي، ولم تكن الدبابات تطوق الحي الذي أقطن، إلا أن رائحة الدم والبارود والأجساد المتفسخة كانت تفلت من هوائها السجين وتطوق أنفاسي بالبكاء وبرغبة ملحة ومستعرة في الصراخ.
شيزوفرينيا مراقبة الأحياء وهم يموتون، دون مشاركتهم الموت، ولدت في داخلي رغبة شديدة في الانتقام والتمرد على حياتي الآمنة والمترفة والتافهة، رغبة في مشاركتهم قدرهم المثقوب بالرصاص، إلا أن شعورا غريبا ومفاجئا يشبه اللذة كان يتسلل إليّ لأني كنت على قيد الحياة وسط كل هذا الموت.
كيف يمكن أن يكون الكائن البشري شريرا لهذا الحد؟ أن يفرح لإمكانية عيشه رغم المقابر والأشلاء! وأي غريزة للبقاء تدفعنا كي نصمت ونختبئ في جحورنا المسورة بالعار.
كم هم حمقى البشر عندما يهربون من الموت في مقابر جماعية، معتقدين أنه بإمكانهم انتقاء موت مريح في سرير هادئ.
لا أنكر أنه من المطمئن أكثر أن نموت هرمين وسعداء أمام وجوه أبنائنا وأحفادنا، ونحن نرتدي قمصان نوم وردية ونضع شرائط ملونة على الرأس، إلا أنه لا أحد فينا يضمن ذلك: في سورية كان الموت أقرب من الهواء والقنابل أقرب من الحب.
لا أعلم كم الساعة تماما، بات الزمن حدثا عابرا أمام الجثث المكومة كخضار فاسدة ومرمية، خبر سورية يتصدر نشرات الأخبار على شاشات الفضائيات، وصمتنا يخونها..
آه درعا.. أي عجز يشلنا كي لا ننبس ببنت شفة؟
بعد جمعة العزة في الخامس والعشرين من مارس انتقلت شرارة التظاهرات إلى اللاذقية وحماة وبانياس وحمص وإدلب وريف دمشق، ما أرعب أجهزة النظام.
كثفت وسائل الإعلام الرسمية، حيث كنت أعمل، حديثها عن مؤامرة دول الخليج حسب زعمها، وعن مندسين مخربين عابثين بأمن الوطن، وتجاهلنا في صمت غادر ومهين ومطبق دماء مئات الشهداء السوريين وآلاف الجرحى والمعتقلين والجثث المفقودة والمشوهة المعالم، والمرمية كلحم مهترئ في عتمة برادات المشافي الوطنية.
كنت أذهب إلى الإذاعة وأضطر للمشاركة في برامج مليئة بالكذب، طعم مالح كان يملأ حنجرتي ويدفعني إلى الرغبة في الصراخ، كنا نرغم على السخرية من المتظاهرين والاستهزاء بدموع الأمهات الثكالى، ونروج لوجود عصابات مسلحة ومتطرفين.
في ذاك الوقت لم ألمح في المظاهرات أي شعار إسلامي، بل شعارات تدعو إلى الحرية والكرامة وتحرير المعتقلين وإنشاء دولة مدنية تعددية وإسقاط النظام.
لم ألحظ أيضا أي حضور معلن لرجال دين أو متطرفين، بل صبايا سافرات ومحجبات، وشباب علمانيون، ومسلمون معتدلون، وطلاب جامعات، ويساريون قدامى، يتظاهرون بأكتاف متراصة كالقوة، أياد متشابكة كالحب، أقدام جريئة كالموت، وبصدور مفتوحة للحرية كالحلم.
في أبريل من ذاك العام سيتغير قدري وقدر السوريين، وستتوقف عقارب الساعة عند قصة حمزة الخطيب التي سأرويها لكم فيما بعد.