البعض قد يخونه التصرف وتخذله العفوية وهو يحاول الدفاع عن مواقف المملكة وسياستها الخارجية، فيتسبب في الإساءة إلى الوطن والقيادة، ويعطي للعدو المتربص فرصة للنيل منه والتطاول عليه

توجد في علم النفس نظرية شهيرة أسسها عالم النفس الأميركي إبراهام ماسلو، تعرف بـهرم ماسلو للاحتياجات، تقوم هذه النظرية على التركيز على جوانب الدافعية الشخصية للإنسان التي تحرك سلوكه وتشكله. وفي هذه النظرية يفترض ماسلو أن الدوافع أو الحاجات الإنسانية تتدرج وفق نظام متصاعد من حيث الأولوية وشدة التأثير، فعندما يُشبع الإنسان حاجاته الأولية ينتقل إلى السلسة التالية في البناء الهرمي حتى يصل إلى القمة، وقد لا يصل. وتقع الحاجة للأمن Safety Needs في المرتبة الثانية في هذا البناء الهرمي، تسبقها الحاجات الفسيولوجية الطبيعية للإنسان كالحاجة للتنفس والطعام والشرب وغيرها، وتليها الحاجة للحب والانتماء بمستوياته المختلفة التي شرحها ماسلو، إلى نهاية السلسلة.
وبغض النظر عن الانتقادات التي وجهت لنظرية هرم ماسلو، فالحقيقة تقول إن الشخص الجائع لا يعنيه أن يحبه أحد أو أن يكون لديه منزل يملكه أو أن يشارك في انتخابات أو جمعيات مدنية. والفرد المبدع حينما تتحقق حاجاته الأساسية قد يستطيع الوصول إلى المستويات العليا من الهرم، مع العلم أننا نستطيع تحقيق أمور عدة من مستويات مختلفة في وقت واحد، دون الشعور بالتمايز الذي وضعه التصنيف الهرمي، فحاجاتنا الفسيولوجية -على سبيل المثال- تتحقق ونحن نعيش الأمن وننعم بالمحبة وننتمي إلى مؤسسات وطنية، وقد نبدع في مهنة أو هواية ما في وقت واحد. ولن يستطيع الشعور بهذه الطبقية في الاحتياجات إلا من حُرم من أهمها، وهي بلا شك المستويان الأولان في بناء ماسلو الهرمي.
الحرب التي تخوضها المملكة وقوات التحالف ضد ميليشيات الحوثي والمخلوع علي عبدالله صالح هذه الفترة تصنف من ضمن الفترات الحرجة التي يمر بها الوطن. وبالرغم من كل الشتات والاقتتال والثورات التي كانت تحيط بنا في السنوات الماضية، إلا أن الاستقرار والأمن كانا ميزتان لا يستطيع أن ينكرهما أحد من المواطنين أو المقيمين، ولا المتابعون للأوضاع الداخلية السعودية، مع استمرار العمليات التنموية والتطويرية في مختلف المجالات. ومع أن سياط الإرهاب والإرجاف حاولت في فترات مختلفة أن تزعزع الأمن الداخلي إلا أن التفاف المواطنين حول قيادتهم وقوة الأجهزة الأمنية في الحفاظ على الأمن، سواء على الحدود أو في مكافحة الجرائم ومهربي ومروجي المخدرات وغيرها، ساعدت على أن يكون الأمن هو الصفة الحقيقية لهذا الوطن. يرافق ذلك كله الاستقرار الاقتصادي النسبي للمملكة رغم كل التغييرات المحيطة، وجميع هذه المعطيات حينما توضع في ميزان المقارنة بينها وبين الحلقة المشتعلة من انعدام الأمن والحاجة لكثير من متطلبات الحياة التي تحيط بنا في دول مجاورة؛ نجد أننا نعيش في أوضاع مميزة نُحسد عليها.
هذه الحرب التي يخوضها الوطن تبدو كـالسفر الذي له مسافة غير معلومة وعلينا أن نقطعه، وفيه يُسفر عن أخلاق المواطنين ومشاعرهم وصدق انتمائهم ومحبتهم لأوطانهم ومدى ولائهم لقيادتهم ووقوفهم خلف قراراتها ومواقفها في سياستها الخارجية. خاصة ونحن نعلم أن المملكة لم تتخذ هذه الخطوة الحازمة إلا بعد أن رأت ما يُهدد أمنها ومواطنيها، وبعد أن استنجد بها الجار القريب الذي يشكل استقراره استقرارا لدول الجوار كافة. وكثير من المواقف والأقلام والمبادرات التي رأيناها خلال الأيام السابقة منذ بدء عاصفة الحزم تدعو إلى الفخر والاعتزاز، وتكشف عن مدى محبة الشعب للوطن ومدى حرصهم على استقراره وأمانه. ولكن السؤال عنوان هذه المقالة يخطر بالبال كثيرا في الوقت الراهن: كم مرة أسأت فيها إلى وطنك؟
قد يخون البعض التصرف وتخذله العفوية، وهو يحاول الدفاع عن مواقف المملكة وسياستها الخارجية ويتسبب في الإساءة إلى الوطن وللقيادة، ويعطي للعدو المتربص فرصة للنيل منه ويفتح له أبوابا من التندر أو التطاول عليه. وقد يحول الدفاع عن الوطن ومحبته إلى شأن طائفي يسيء من خلاله إلى مكون أساسي في نسيج المجتمع السعودي، فيحول هذه الحرب إلى حرب طائفية، ويصبح بالتالي بوقا للإعلام الخارجي الذي يخدم بالذات المشروع الإيراني في المنطقة. ونحن هنا نفترض حسن النية لأن الإحساس بالمواطنة ملك للجميع لا ينبغي المزايدة عليه أو تحديده بناء على تصرف وسلوك موحد ينتهجه الجميع للتعبير عن وطنيتهم. وقد نجد البعض ينصب نفسه ناقدا للمؤسسات الحكومية الداخلية وللنقص الذي يعتري بعضها أو يحمل شعارات ثورية ونضاليه تنمّ عن نقص في النضج السياسي والفكري، وآخرون لا يقدرون الخدمات الموجودة في الواقع ويتعرضون لها بالنقد غير البناء القائم على التأليب والانتقاص فقط، أو يسيئون إلى الممتلكات العامة بالإتلاف والتقصير في العمل أو التعلم والتطوير الذي يصب في صالح الوطن.
نعم جميعنا نريد دولة مدنية متطورة آمنة ومستقرة، وجميعنا نحب وطننا دون مزايدة أو تنظير أو حماس أحمق يسيء إليها، ولكن هل ندرك ماذا يُقدم لنا وهل نقيس أعمالنا وأقوالنا على ميزان الحكمة والإنصاف قبل أن نقوم بها وننطقها؟ وكيف ستكون إجابتنا عن سؤال هذا المقال؟
يقول الفيلسوف الهولندي سبينوزا (1677-1632): إن الفكرة يجب أن لا تنقصها حرارة الرغبة، كما أن الرغبة يجب ألا ينقصها ضوء الفكرة. محبتنا للوطن ينبغي أن لا تنجرف نحو الإساءة إليه بفرط الحماس غير المتزن ولا الانتقاص المبتذل، وعندما نحب كيانا فنحن حتما لن نسيء إليه بتصرف أو قول غير مسؤول، بل نترجم محبتنا لعمل وعطاء وإحساس نجد أثره في الواقع.