وأنا أقرأ مبتهجاً، في مخطوطة ديوان الشاعر أحمد عسيري، قبل ساعات من إرسالها إلى المطابع، وبعد ثلاثة عقود من الانتظار، حضر إلى ذهني، قائل هذين البيتين:
أَسْتَودِعُ اللهَ فَجْراً ودّعَ السَّكَنَا
أَسْتَودِعُ اللهَ بَدْرَاً أيْنَمَا سَكَنَا
أَسْتَودِعُ اللهَ قَلْبَاً هَاجَ ما سَكَنَا
وَالرِّيْحُ تَهْزَأُ مِنْ قَلْبي إِذَا سَكَنَا
البيتان من قصيدة لشاعر ليس له ديوان، وهو علي عبدالله مهدي. قالها في وداع ابنته ليلة زواجها. وهما –عندي– أنموذج لوجود شيء من الجهد في تطويع الجناس للتجربة الشعرية، والشعورية، والصورة، إذ تتجلى الموسيقا الداخلية في هذين البيتين لأكثر من باعث؛ فهنا جناس تام مداره الجذر اللغوي: سكن، حيث جاء به في الشطر الأول اسما دالا على مكان الإقامة، وأورده في الشطر الثاني فعلا، في معنى أقام، أو حلّ، ثم جاء بالفعل منه في الشطر الثالث منفيا، في معنى عدم الهدوء والطمأنينة، ليورده في الشطر الرابع بالمعنى نفسه مثبتا، في معنى وجود الارتياح والهدوء والطمأنينة، لتتنوع المعاني بالنفي والإثبات، ويتوزع الجذر اللغوي على نوعين من أنواع الكلم هي: الأسماء، والأفعال. وقد جاءت الجناسات كلها مؤثرة في المتلقي، ومتلائمة مع الحزن الذي يشيع في قصيدة موضوعها وداع أب لابنته، فضلا عن أنها كانت في القافية المطلقة التي اتفقت مع حزنه، حيث تتردد النون وكأنها أنين مُوجعٍ مكلوم. كما أن الجناس جاء في قوافي المطلع، ليكون التصريع سببا في إيقاعات إضافية، يؤازرها التكرار اللفظي للجملة الفعلية: أستودع الله، بكل إيحاءاتها، ودلالاتها الهامشية، فيصير التكرار سببا ثالثا، وذلك كله متوافق مع التجربة الشعورية، مما جعل الإيقاعات الداخلية والخارجية تسير نحو هدف واحد هو تصوير التجربة، والتأثير بها.
إن للقراء على شاعر بهذه القدرة، أن يكون نتاجه بين أيديهم، وعلى الرغم من ذلك، فليس لعلي مهدي ديوان مطبوع، مما جعل بعض الباحثين يعدونه في شعراء المناسبات، وهو تصنيف بدهي ناجم عن ظهوره المبهر في المناسبات، إذ يتميز بالإلقاء المؤثر، والصوت الجميل، وسلامة اللغة، وحسن الأداء، إلا أن له قصائد في أغراض مختلفة، حال بينها وبين المتلقين عدم إصدار ديوانه.
وليس لعلي مهدي ديوان مخطوط، وإن كان الصديق علي مغاوي قد جمع بعضا من قصائده، وأعان بها أحد طلاب المرحلة الجامعية، ليكتب بحثا عنوانه: الآثار الشعرية للأديب علي بن محمد عبدالله آل مهدي: جمعا ودراسة، وهو يعد المصدر الوحيد لشعر علي مهدي، وربما كان جهد الأستاذ علي مغاوي هو ما عناه الشيخ هاشم النعمي حين قال: له ديوان شعر مخطوط، وقريبا نراه إن شاء الله وقد ظهر على الساحة الأدبية، وهي أمنية متفائلة، فقد مرت عشرون سنة منذ نشر الشيخ هاشم النعمي كتابه الذي تضمن هذه الجملة، وعلى الرغم من ذلك لم ينشر علي مهدي ديوانه. فأيان منتهى ديوانك يا شاعر الحقيقة؟