كمتابع للشأن الإعلامي فإن من أكثر الأسباب التي كانت تشدني لمتابعة الإيجازات الصحفية اليومية لعاصفة الحزم هو من أجل مقارنتها بما عاصرته شخصيا إبان تغطيتي للإيجازات الصحفية لحرب عاصفة الصحراء قبل نحو 24 عاما، فما بين العاصفتين تغير المشهد الإعلامي العالمي والمحلي من حيث الوسائل والتقنيات ومفاهيم العمل الصحفي السياسي منه والعسكري.
ففي عاصفة الصحراء لم يكن هناك وجود للصحفي المحلي إلا من خلال مراسل لوكالة الأنباء السعودية وتمثيل ضعيف لبعض الصحف الرسمية، فقد كان اعتمادها بشكل رئيسي على ما كانت تبثه القنوات الرسمية من معلومات وأخبار، في وقت كانت كل وسائل الإعلام الدولية موجودة بشكل مكثف في أروقة الفندق الذي كانت تعقد فيه المؤتمرات الصحفية، والتي كانت تشهد بين حين وآخر حضور الفريق شواركسوف قائد قوات التحالف والأمير خالد بن سلطان قائد القوات المشتركة اللذين كانا يتناوبان في تقديم إيجازات كانت تتجاوز المعلومات العسكرية إلى ما يمكن اعتباره بيانات سياسية موجهة إلى العدو من جهة وللعالم من جهة أخرى.
لم يكن متاح لنا - الصحفيين السعوديين الذين كنا نعمل مع وسائل الإعلام الدولية - مساحة من الحرية في طرح الأسئلة التي كنا أحيانا نبنيها وفق تحليل المعلومات التي كانت تصلنا من المصادر المختلفة والتي كان يعلن عنها من قبل المتحدثين العسكريين للجيش الأميركي والجيش السعودي وكذلك البريطاني، وكان يظهر أحيانا بعض التناقض، كما أن الأولوية كانت دائما للمراسل الغربي، وهو ما تغير بشكل واضح في عاصفة الحزم بحيث أعطيت الأولوية للإعلام المحلي الذي لم يستغل الفرصة بشكل يضيف إلى المتابع ما خفي عنه.
من الفروقات اللافتة أن عاصفة الحزم تضمنت إيجازا واحدا فقط للمتحدث السعودي بإدارة العميد أحمد العسيري بينما تضمنت عاصفة الصحراء ثلاثة إيجازات يومية أحدها للسعودي العقيد أحمد الربيعان إضافة إلى إيجازين أحدهما للمتحدث الأميركي والثالث للمتحدث البريطاني، إلى جانب أن عاصفة الحزم شهدت تجاوبا جماهيريا فوريا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو رد الفعل الجماهيري الذي لم تحظ به عاصفة الصحراء، فعزل المواطن تماما عن مجريات الحرب، الشيء الذي لم يتح التفاعل الإيجابي للشارع السعودي مع مجريات الحرب وتطوراتها كما حدث في عاصفة الحزم، وأخيرا فإن صورة السلفي للزملاء الصحفيين مع العميد العسيري في آخر يوم للإيجازات بعد إعلان انتهاء العاصفة ستبقى للأبد، في حين بقي العقيد الربيعان فقط في ذاكرتنا.