ينبغي أن نتحدث عن وقوع الحدث 'عاصفة الحزم' في الوعي وليس في الواقع، فإذا أصبح وعينا مدركا لما يحيط بنا وما يتوجب علينا القيام به فإن عاصفة الحزم بذلك تكون قد حررت وعينا المهزوم

 
هناك حالٌ من الضياع لدى بعض المتابعين وبعض وسائل الإعلام بعد توقّف عاصفة الحزم وبدء عملية إعادة الأمل، وخصوصاً بعد غياب العميد أحمد العسيري عن مؤتمراته الصحفية اليومية، حيث كان يقدم يوميا عرضا مفصلا للعمليات الحربية لعاصفة الحزم باليمن. ومع هذا التوقف ساد حال من الضياع وذهب كل إلى غايته. وأعتقد أن الكثيرين كانوا متعبين من المتابعة، ومعظهم معذور في ذلك لأن العاصفة جاءت من خارج المتوقع والمألوف. وهذا ما أصاب المحترفين والهواة معا، فلا أحد كان يتوقع وقوع تلك العاصفة في مواسم السبات العميق.
أما وقد وقعت واستفاق الجميع وتحرك الجميع، فكل الأماكن والمواقع والثوابت تعرضت لاهتزاز عميق جعل الجميع في حال من الاضطراب والريبة والصدمة إلى حد بعيد. أما وقد حدثت فأصبح لكل حادث حديث. وهذا كلام محايد تماما وبعيدا عن المشاعر والمواقف، فالذي حدث قد حدث ويجب التعامل معه بواقعية عالية، لأن العرب من بعده ليسوا كما من قبله. وللأمانة فإن العرب ومنذ خمس سنين تقريبا في حال من الصحوة والكبوة والأمل والخيبة. وكان معظمهم بين حنين للغفوة والتهاون وبين تطلع للمستقبل وآخر متمسك بالواقع محاولا إيقاف الزمن عنده دون سواه. فكانت حروب وثورات على الثورات ودمار وخراب وتهجير وأسلحة دمار. كان العرب قبل الحزم في حال من العار والخواء الذي أخذ بالتمدد من بلد إلى آخر وكانت وجهته الأخيرة نحو عدن بعد صنعاء.
أين ذهب العرب عشية المؤتمر الصحفي الأخير للعميد أحمد العسيري؟ والجواب هو أننا دخلنا في حال من العصف والحزم والتفكير بالتحديات والساحات المفتوحة على القتل والدمار والاستهانة بشعوبنا وأرضنا وتاريخنا وهويتنا. وإن كل عربي يجب أن يكون أحمد العسيري في مكان ما وفي كل الموضوعات والقضايا، لأن عملية عودة الأمل هي بأبسط صورها أن نكون بعد الحزم على قدر كبير من الثقة بالذات، وأن الميدان الآن وبعد اليمن أصبح في داخل كل عربية وعربي، ليخرجوا من هزيمتهم ويستردوا عزيمتهم ويشاركوا في إعادة بناء أنفسهم وأوطانهم، وأولهم اليمنيون أنفسهم.
علينا أن نتوسع بالسؤال على دول التحالف العربي ودول الأزمات، وعلى سبيل المثال سنبدأ بالسؤال الأول: أين المصريون الآن بعد عاصفة الحزم؟ وكيف يفكر السوريون بعد اليمن؟ وما هي الرسائل التي قرأها العرب العراقيون في عملية إعادة بناء الأمل؟ وكذلك الأمر في لبنان والسودان وليبيا.. وهناك أسئلة خاصة بدول مجلس التعاون الخليجي التي أحدثت عاصفة الحزم تحولا جذريا في شخصيتها وأغنت الشخصية الخليجية بثروة الإرادة والحزم. ولا نستطيع الآن إلا أن نفصل كل الأسئلة التي يجب أن نطرحها على الدول والمجتمعات والاختصاصات والأفراد.
المعروف دائما أن الإجابات الصحيحة تأتي من السؤال الصحيح. وعلى مر تاريخ البشرية كانت المعرفة وليدة للأسئلة الصحيحة، لأن مكونات السؤال تحمل في طياتها عناصر الإجابة. ومن هنا جاء التطور في الامتحانات من الأسئلة الغامضة إلى وضع الإجابة أولاً ثم السؤال عن صحة الإجابة بنعم أو لا. ومن هنا فإننا نتوقع سيل من الإجابات المختلفة باختلاف الأسئلة. فما يعانيه السوريون لا يشبه أزمة العراقيين ولا اليمنيين، لكنهم مجتمعون مصابون بهويتهم وكرامتهم وإنسانيتهم، ومعتدى على وجودهم وسكينتهم من أبنائهم وأعدائهم وأصدقائهم وجيرانهم ومكوناتهم العرقية والطائفية.
إنّ ساعات الحزم تجاوزت سنوات وعقود من الترهل والعدم والعبث واللاجدوى والتطير، وإلى ما هنالك من تعابير تدل على يأسنا وضياعنا وغربتنا عن ذاتنا وانفصالنا عن الواقع. ولا أعني هنا التطور العسكري إنّما الزمن العربي الجديد الذي أطلقه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، بقيادته للتحالف العربي في عاصفة الحزم وإعادة الأمل، والتي صنعت زمنا جديدا بقيادات شابة جديدة قادرة على التعامل مع التحديات الكبرى والمتغيرات الإقليمية والدولية.
ستتعدى الأسئلة الوطن العربي إلى الجوار الإيراني والباكستاني والتركي وغيرها، بالإضافة إلى دول الخمس الكبرى والصناعية الثمانية، والعشرين الاقتصادية. الكل معني بما حدث ليل الخامس والعشرين من مارس 2015 واليوم التالي. وهم أيضا لديهم أسئلة وتخمينات وتقديرات يجب أن نعرفها بدقة لأن فيها شيء من حقيقتنا كما يرانا جوارنا والعالم، وكيف كنا، وإلى أي مدى تغيرنا؟ وهل يعتقدون أننا سوف نمضي في حزمنا وإعادة بناء الأمل؟
وتلك الأسئلة والأجوبة ليس لها علاقة بما يحدث في الميادين العسكرية من قصف وقنص ودمار. إننا نتحدث عن وقوع الحدث في الوعي وليس في الواقع، وإذا أصبح وعينا مدركا لما يحيط بنا وما يتوجب علينا القيام به فإن عاصفة الحزم بذلك تكون قد حررت وعينا المهزوم.
إن قيادة خادم الحرمين الشريفين للزمن العربي الجديد بالحزم والأمل والتجديد ومواجهة التحديات القديمة والجديدة والقادمة وبآليات سريعة ومتطورة وفعالة، ترسم مستقبل الوطن العربي الكبير بالتجديد بعد الحزم والأمل.