طرح هولاند مبادرته بإبرام شراكة استراتيجية شاملة بين منظومة مجلس التعاون وفرنسا، ومن خلال الردود الإيجابية لقادة المجلس والبيان التاريخي الذي صدر عن القمة، يتضح أن الجانبين مستعدان فعلا لرفع مستوى تعاونهما إلى أبعاد غير مسبوقة
شهدت الرياض هذا الأسبوع حدثا تاريخيا بعقد أول قمة خليجية-فرنسية، طرح فيها الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند مبادرته بإبرام شراكة استراتيجية شاملة بين منظومة مجلس التعاون وفرنسا. ومن خلال الردود الإيجابية لقادة مجلس التعاون، والبيان التاريخي المشترك الذي صدر عن القمة، يتضح أن الجانبين مستعدان فعلا لرفع مستوى تعاونهما إلى أبعاد غير مسبوقة.
وكانت مشاركة الرئيس الفرنسي في اللقاء التشاوري لدول مجلس التعاون، الذي عُقد في قصر الدرعية، القصر الذي صُمّم في الأصل لاستضافة القمم الخليجية المختصرة؛ سابقة تاريخية، فلم يسبق أن شارك في مثل هذه اللقاءات التشاورية زعيم أجنبي، إذ اقتصرت مشاركة القادة الأجانب في الماضي على حضور افتتاحات القمة العادية لدول المجلس التي تُعقد في نهاية العام. أما اللقاءات التشاورية فهي في العادة اجتماعات حميمية بين قادة دول المجلس تبتعد عن الرسميات وتأخذ طابع لقاء عائلي لأفراد الأسرة الخليجية. ولهذا فإن مشاركة الرئيس الفرنسي فيها دليل آخر على رغبة الجانبين في تأسيس علاقات وثيقة وعميقة.
الرئيس الفرنسي ملم إلماما واضحا بالتحديات التي تواجهها المنطقة. حين قال إن مجلس التعاون عندما أسس في عام 1981 كان يواجه خطر الحرب العراقية الإيرانية، واليوم يواجه المجلس تحديات جديدة وهي مرتبطة بالجماعات الإرهابية مثل داعش والقاعدة والتحديات التي تمثلها زعزعة استقرار عدد من الدول المجاورة... وكذلك المخاطر التي تترتب على أطماع عدد من الدول التي تتدخل في شؤون الآخرين.
وذكر على وجه الخصوص سورية واليمن، وقال إن فرنسا تدعمكم في العملية التي أطلقتموها في اليمن (عاصفة الحزم) التي تحولت الآن إلى عملية (إعادة الأمل)، بغية إعادة الاستقرار إلى اليمن وأثنى كذلك على المبادرات الإنسانية التي أطلقتها المملكة لمساعدة الأشقاء في اليمن.
وقال إن فرنسا تقدر جهود دول المجلس وحرصها على سلامة وأمن المنطقة ودوله. مضيفاً هناك تهديدات تواجه دولكم ونواجهها نحن أيضا، وأود أن أعيد التأكيد على التزام فرنسا بالوقوف إلى جانبكم ودعمكم وليس بوصفنا الصديق والحليف لكم فقط، ولكن لأن الدفاع عن مصالحكم يعني أيضا الدفاع عن أنفسنا.
وفي إشارة، ربما، إلى تردد بعض الحلفاء التقليديين، قال هولاند فرنسا كانت دائما وما تزال تصر على صداقة وعلى أن تكون شريكا وحليفا قويا له مصداقية ويمكن الوثوق به مضيفا: نحن أوفياء لأصدقائنا ولالتزاماتنا، وفرنسا لا تتردد في القيام بعمل ما إن كان هذا العمل ضروريا حتى لو كان عملا عسكريا.
وأكد التزامه الشخصي بتطوير هذه العلاقة حين قال أود أن أعمل بكل قواي على تعميق العلاقات وتعميق هذه الشراكة الاستراتيجية القائمة بين بلادي وبلدانكم ومنظمتكم على كل المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية ومجال الطاقة ولا أنسى المستوى الثقافي.. شراكتنا هي ثمرة التاريخ وإرث التاريخ، لذلك نريد العمل على تعميق هذه الثقة والصداقة. ويبدو من الخطاب الفرنسي أن آفاق التعاون التي يتطلع إليها الفرنسيون غير محدودة، ومنها مما قاله الرئيس في الاجتماع أو ورد في البيان المشترك عقب الاجتماع: -استمرار العمل معا من أجل إيجاد حلول للأزمات، في سورية مثلاً عن طريق العمل المشترك بهدف جمع كلمة المعارضة المعتدلة ودعمها. -المشاركة في التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش. -الشراكة في الدعوة إلى المصالحة بين كل الفرقاء العراقيين ولم شملهم. -وفي ليبيا، الشراكة من أجل التوصل إلى اتفاق في ليبيا تحت رعاية الأمم المتحدة لكي يكون هناك تحول سياسي يعيد الاستقرار إلى هذه المنطقة. -في اليمن قال هولاند إن فرنسا تقف إلى جانبكم فيما يتعلق بدعم الشرعية في اليمن من أجل وحدة وحرية اليمن وتنفيذ القرار 2216 لمجلس الأمن الذي كنا شاركنا في تقديمه. وأضاف: يجب أن نستمر في دعم السلطات الشرعية والرئيس عبدربه منصور هادي حتى يتمكن من العودة لتحقيق المصالحة في اليمن. وعبر عن دعمه لمؤتمر الرياض الذي دعا إليه الرئيس هادي تحت مظلة الأمانة العامة لمجلس التعاون.
فيما يتعلق بملف إيران النووي، قال هولاند إن فرنسا تريد أن يكون الاتفاق قويا ومستداما وقابلا للتحقق، ويجب أن نعرف وتتعهد إيران بأنها لن تحصل على السلاح النووي، مضيفا لوزان ليس سوى اتفاق مرحلي، هو مجرد خطوة على الطريق، والطريق لا يزال طويلا. وقال إنه يؤيد أن يكون رفع العقوبات تدريجيا لا دفعة واحدة. ومن أهم ما قاله إن الاتفاق النووي يجب ألا يكون سببا أو يؤدي إلى زعزعة الدول في هذه المنطقة، ويرى كذلك أن الحظر على توريد الأسلحة نحو إيران يجب أن يبقى قائما، ونحن نريد أن نحكم على إيران بالأفعال وليس بالأقوال. فالشراكة الاستراتيجية التي يطمح إليها الفرنسيون إذن تشمل خمسة مسارات رئيسة تم تداولها في القمة، هي:
أولاً: التنسيق السياسي في حل قضايا المنطقة. ثانيا: التعاون الأمني والعسكري في مواجهة الأخطار الخارجية التي تواجهها المنطقة وفرنسا، بما في ذلك خطر الإرهاب وخطر الانتشار النووي. ثالثا: التعاون الاقتصادي في رفع مستويات التبادل التجاري والاستثمار، وذكر الرئيس الفرنسي على وجه الخصوص الاستثمار الصناعي.
رابعا: الطاقة، فدول المجلس غنية بالنفط والغاز، في حين اكتسبت فرنسا خبرات خاصة بالطاقة المتجددة والطاقة النووية على وجه الخصوص.
خامسا: الثقافة، وهي مجال مهم خاصة أن فرنسا تحتضن ملايين المهاجرين والمواطنين الفرنسيين الذين يتكلمون العربية أو يتحدرون من أصول عربية أو إسلامية. وسيكون دور مسؤولي الجانبين تطوير هذه المسارات ووضع برامج وخطط عمل وآليات لتنفيذ هذه الرؤية.