كثيرة هي أسماء الأطباء المجهولين الذين ساهموا في إضافة قطرات بسيطة إلى نهر المعرفة العظيم، 'ساتنسكي' هو واحد من أولئك المجهولين.
كثيرة هي أسماء الأطباء المجهولين الذين ساهموا في إضافة قطرات بسيطة إلى نهر المعرفة العظيم، ساتنسكي هو واحد من أولئك المجهولين. وحين أمر علي أسماء غريبة طبعت نقشها على إنجاز ما، أقف متسائلا عمن كان وراءها؟ فوجارتي أبو نزع الجلطة من الأوعية من كان؟ ما جنسيته ؟ أين عاش؟ كيف جاءته تلك الفكرة العبقرية في اختراع القسطرة الزاحفة عبر الشرايين لتنتزع جلطات وخثرات قاتلات؛ فينجو الطرف من البتر، والمريض من المعاناة والموت. إن كلا من هؤلاء المبدعين يجب أن يكتب عنهم تفصيل وتعريف لكل طلبة الطب من خلال تدريس تاريخ الطب، حتى يعرف الناس رحلة المعاناة والمشقة، جنبا إلى جنب مع متعة المغامرة ولذة الاكتشاف المبين. من كان ليريش أبو أمراض الأوعية وتعريفاتها؟ في مكتبتي كتاب لذيذ كتبه بخط يده بعنوان: ذكرياتي من أيام الجراحة العظيمة. من كان دوبلر أبو أجهزة التنصت؟ نحن نعرف أنه كان من النمسا واسمه الكامل كريستيان دوبلر ونعرف أيضا أن فكرة الدوبلر أي الصوت المضاعف جاءته وحيا حين فكر وقال ما الذي يجعل الأذن تعرف أن القطار قادم غاد أو رائح من المحطة؟ إنه بسبب موجة الصوت. فإذا عكسنا الموضوع أي أصدرنا صوتا لينعكس على سطح متحرك أمكن لنا أن نعرف شيئا عنه. أليست أفكارا عجيبة رائعة تلك التي أوحت بالاختراعات؟ من كان تيسلا الذي نسمع اسمه مع أجهزة الطنين المغناطيسي؟ نحن نعرف عنه أنه كان صربيا مبدعا هاجر إلى أمريكا واستفاد أديسون من اختراعاته، إن لم نكرر مع روبرت غرين صاحب كتاب القوة أنه سرق اختراعاته ونسبها لنفسه وهي ليست جديدة في عالم الاختراعات. من كان نيتر الطبيب الفنان الذي مل من الجراحة وتفرغ للفن فرسم جسم الإنسان في أحلى وأبدع مجموعة من الصور، تشكل مجموعة زاهية من فهم الإنسان التشريحي الفيزيولوجي، تبنتها شركة سيبا CIBA وعممتها على الأطباء واشتريتُ كامل المجموعة في تسعة مجلدات رائعة، وكان سر اهتدائي لها الدكتور عدنان شفيق، دكتور القلبية الذي رأيت المجموعة عنده لأول مرة في عيادته في الجسر الأبيض في دمشق، وأكمل هذا العمل الألماني جنتر الذي عرض تشريح الإنسان في معرض متنقل دخلته أنا شخصيا في دسلدورف في ألمانيا. وناتي إلى ساتنسكي فهو روسي الأصل هاجر أبوه من قبل وولد هو في فيلادلفيا ودرس الطب واخترع أكثر من ثلاثين اختراعا في عالم الطب، وأول تعرفي على اسمه كان في عملية في الدمام لا أنساها حين استخدمت ملقطه السحري في إرقاء الدم في أوردة لا تكف عن بصق الدم واستنزاف المريض إلى قاع الموت، ونزف الأوردة أخطر من نزف الشرايين، إنها الفرق بين صراخ الرجل وأنين المرأة؛ الأول واضح مفزع محدد يمكن كبحه، أما الثاني فممض طويل حافل بالمعاناة صعب لجمه وإيقاف نزفه إلا بيد من تدرب وسهل عليه الأمر وهو ليس بالسهل، فقيمة جراح الأوعية من ضبط نزف الأوردة أكثر منه في السيطرة على النزف الشرياني. ملاقط الأوعية رشيقة لينة تمسك الأوعية فلا تؤذي، فإما كانت مستقيمة بـ 180 درجة، وإما أخذت زاوية الانعقاف بـ 90 درجة أو 130 درجة وقد طور ميشيل دبغي اللبناني وكولي الأمريكي شيئا من هذا القبيل. أما هذا الروسي الفنان فقد خطر في باله مسك الأوعية من الجانب فيبقى سيلان الدم فلا ينقطع، ولكن كيف؟ قال في نفسه فلنعمل ملقطا للأوعية لم يخطر في بال إنس ولا جان، ملقطا متعدد الزوايا، فهو ينزل بزاويتين. فإذا نظرت له من الجانب كان شكله مثل مقلاة الزيت يمسك باليد من فوق وهو يمسك من قاعه بذراعين بالوعاء من جانبه فقط، وبذلك يمكن إرقاء مكان الإصابة في الوعاء الدموي دون انقطاع الدم الكامل كما هو في الملاقط العادية المستقيمة أو المائلة بدرجة تسعين أو 130 درجة. وأهمية هذه الفكرة العملاقة أن قاع الملقط يمكن تطويله بالقدر الذي نريد كما هو في قاع مقلاة البطاطا والسمك، فقد نمد بطن الملقط سنتمترات عديدة، وهو ما حدث معنا حين أنقذنا حياة الشاب أبا الخيل حين كان ينزف من الوريد الأجوف السفلي في البطن فأمسكناه باثنين من هذه الملاقط السحرية ساتنسكي فأوقفنا النزف وخيطنا المكان براحة.
ساتنسكي لم يكن فقط جراحا بل مرمما للأرواح، فقد اعتنى بالشباب ممن يعاني من اضطرابات عاطفية وعلم نفسه علم النفس، وكان فنانا موسيقيا رساما وكاتب مسرحيات وهو شأن العباقرة، وكان صارما في تدريبه للشباب، ويقول من يحب هذا اللون من التدريب فأهلا به وإلا لينصرف راشدا فليس هنا مكانه. وفي آخر عمره تدرب وأخذ الحزام الأسود من مصارعة الآيكيدو اليابانية وهو في سن الثمانين موعظة للشباب الكسالى ومن فقد أمل الحياة وطال عمره ولم يفهم أن الشيخوخة صيروة، فقد يشيخ في الخمسين وقد يرى نفسه شابا وهو في المائة.
أخيرا كان على ساتنسكي زيارة الموت، فسلم عليه عزرائيل ملك الموت وأتى عليه في النهاية وعمره 84 عاما بعد أن عاش شبعان الأيام كما يقول العهد القديم.