أتساءل لماذا تأخذ قضية عمل المرأة 'الكاشيرة' حجما أكبر من حجمها عندنا.

أتساءل لماذا تأخذ قضية عمل المرأة الكاشيرة حجما أكبر من حجمها عندنا، ولماذا ينشغل مشهدنا بقضايا تجاوزتها المجتمعات الإسلامية الأخرى منذ زمن طويل ولم تدك قلاع الفضيلة فيها؛ ولم تنهر بناها الأخلاقية؟! ولماذا تأخذ قضية الكاشيرات كل هذا الحيز لتصبح أم معاركنا مع أن المسألة أبسط من ذلك بكثير؟! فالقضية بكل بساطة قضية عمل شريف -لا يحتاج إلى مهارات خارقة ولا تعليم عال – فتح مجاله لنساء في أمس الحاجة إليه؛ حيث يمارسنه بكامل حجابهن على مرأى من الزبائن والموظفين في أجواء آمنة ومفتوحة؛ لا يستطيع فيها حتى المنحرف أخلاقيا التجاوز بكلمة أو عبارة؛ فسينبري لها وقتها الجميع لو فكر في مجرد المحاولة. مع ملاحظة أن عمل المرأة كموظفة استقبال في المستشفيات له وجود في معظم مدن المملكة؛ فلماذا تأخذ معركة الكاشيرة هذا الطابع من الضراوة؟! لترفع ألوية الاحتساب والمقاطعات؛ وتستدعي نظريات المؤامرة وتهم التغريب والرغبة في إفساد المجتمع! ثم تستحضر إحصائيات الانحرافات الأخلاقية في الغرب والمجتمعات المفتوحة؛ ليصبح الغرب هو المرجعية عند التقييم مع اختلاف الحيثيات والمعطيات وبالتالي النتائج في مجتمعنا!
أتساءل -أيضا- هل مجتمعنا بدع عن المجتمعات الإسلامية الأخرى، وهل البشر فيه لهم صفات ونوازع تختلف عن باقي المسلمين في أرض الله الواسعة؟! وهل ساعدت حواجز الفصل في حماية الأخلاق؛ وكونت في مجتمعنا المدن الفاضلة؟! ولماذا تنتاب الممانعين حالة من الفوبيا والرهاب إذا ما تعلق الأمر بحقل جديد تشرع أبوابه للمرأة؟! لتأخذ القضية بعدا تحايليا لإبقاء المرأة داخل جدران البيت عبر طرح قضية العمل عن بعد، مع إغفال أن هذه النوعية من الأعمال تتطلب مهارات عالية في استخدام الحاسب الآلي لا تتوافر عند كثير من خريجات الجامعات فكيف بخريجات الثانوية أو المتوسطة؟! ناهيك عن عدم توافرها حاليا إلا فيما ندر؛ فيما تقتضي بطالة النساء العالية حلولا سريعة وعملية، تفتح فيها مجالات مختلفة للعمل بكل الوسائل المتاحة.
وأعود للتساؤل لماذا نُشغل بهذه النوعية من الجدليات؟! برغم أن الاختلاط نفسه الذي أخذ ولا يزال يأخذ حيزا كبيرا من معارك الأخذ والرد؛ أمر واقع حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وستجده أولا في أقدس بقاع الله بمكة المكرمة وفي الأسواق والمطارات والمستشفيات والشوارع والحدائق، ولا يمكن منعه إلا بإنشاء مدن للنساء وأخرى للرجال. فلماذا كل هذا الجدل واستحضار التأويلات والتأويلات المضادة فيما قضى الله فيه أمرا كان مفعولا؟! والأولى زرع قيم وأدبيات الاختلاط بين الجنسين التي تقتضي غض البصر لكلا الجنسين وتحمل المسؤولية الفردية في ردع النفس وتقويمها وتزكيتها.
ختاما: لم نُشغل بهذه القضايا بينما نعاني الأمرين من التخلف والضعف وتداعي الأمم علينا وتهويد قدسنا.. ومن تحولنا إلى كائنات استهلاكية تعب من تقنيات العصر دون قدرة على إنتاجها؟! ناهيك عن استشراء الفساد الإداري والمالي، وضعف البنى التحتية بمدننا التي عرتها السيول، واضمحلال الطبقة الوسطى وغياب العدالة الاجتماعية، والبطالة والفقر المدقع إلى آخر ما يئن منه مشهدنا السعودي ويحتاج إلى تكثيف الجهود ومحاولة اجتراح الحلول الشافية.