لست ضد إعفاء الذقن ولا تقصير الثوب، لكنني ضد تفشيهما دون وازع من فاعلهما حتى صارا طريقا 'للتقية' يتقمصهما برغبة الوصول كثير من الفاسدين في سلوكهم ونزاهتهم المالية والعدلية
تشغلني كثيرا حالة التصنيف والتقييم في مجتمعنا التي تستند على المظهر والشكل الخارجي والتي تعبر عن سذاجة وغفلة. فالمجتمع يرى أن كل من أعفى ذقنه فهو مسلم جيد وعلى نقيضه.. نقيضه.
وإذا كانت هذه الموجة قد اكتسحت مجتمعنا قبل عقود وتكسب من ورائها جملة من الناس فإن الأمر يقتضي تغييرا لهذه الاعتبارات على نحو منصف وصادق، يتجرد من الشكليات ويحتكم إلى حجم الإسهام والإنتاج والإخلاص في المدرسة أو في المعمل أو الوظيفة أو المتجر وأن يتم التعامل بالإحسان والأمانة وفق الأصول الأخلاقية التي دعا لها الدين، وحبب إلى الناس ممارستها، ومن ذلك الصدق والنزاهة والبعد عن الغش والتدليس والكذب والتطفيف وحسن استخدام الطريق أثناء المشي أو القيادة، وانسجاما في كل ذلك مع أسباب المدنية والحضارة.
أذكر في هذا الصدد قصة وقعت أثناء الثمانينات الميلادية في شركة أحد الأصدقاء حين داهمت فرقة من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكاتب الشركة وهددت صاحبها بالإغلاق والعقاب ما لم يغلق المكاتب في كل صلاة وينزل هو وموظفوه للصلاة في المسجد، وقد أخبرهم صاحب الشركة بوجود مصلى في الشركة تتم فيه صلاة الموظفين جماعة، لكن رجل الهيئة لم يقتنع حتى وهو يرى المصلى، وأمر بأن تغلق الشركة ويبادر للخروج هو وموظفوه للمسجد، ولم يكن – في ذلك الحين أمام اشتداد الصحوة التي أعقبت جهيمان وجهاد الأفغان- في يد صاحب الشركة من خيار سوى تنفيذ الأوامر.
لكن المفارقة في هذه القصة هو وجود ضيف عند صاحب الشركة أثناء دخول رجال الهيئة، وهذا الضيف الزائر هو أحد البوهيميين الذين لا يهتمون كثيرا بمظهرهم ومن ذلك إعفاؤه لعارضه ولشعر ذقنه الطويل الذي يغطي معظم وجهه، وهو مثقف وجودي من الذين يميلون للحرية التامة في التفكير بدون قيود في فلسفة تؤكد على تفرد الإنسان في إرادته.
ومن هنا فقد كان هذا الضيف آخر الذين يمكن أن يعتد بهم في المسألة الدينية، لكن رجل الحسبة وهو الذي تعود أن يقيم الناس بحسب مظاهرهم الشكلية كحالنا جميعا صافح الوجودي الملتحي وأثنى عليه كثيرا ثم التفت إلى صديقنا صاحب الشركة بوجه صارم وقال: خلاص لازم تصلون في المسجد كل وقت وإلا ترى بنسحبكم للمركز والتوقيف، ثم أكمل: أحمد ربك هالمرة بسامحك علشان هاللحية الغانمة وأشار إلى صاحبنا البوهيمي الذي لم يسبق له في حينها أن ركع أو سجد.
وهكذا فإن هذا الاعتداد الشكلي والاعتبار المظهري يجب أن يتخلص منه مجتمعنا لأنه معيار زائف وغير عادل في التصنيف والحكم.
إن كثيرا من الناس قد ركبوا في ذلك الحين موجة الشكل حتى صار إعفاء الذقن وتقصير الثوب ووضع مسواك بارز في الجيب الأمامي وإكمال المؤهلات بإدراج قارورة صغيرة لدهن العود في جيب الثوب واسطة للقبول وربما اعتلاء المناصب، حتى أصبح المزاج الجمعي للناس يقدم كل من تتوفر لديهم هذه الـ c.v في المجالس وصالات الأفراح وفي صوالين العلية من القوم.
على أن كل من يعرفني لا شك يعرف أنني لست ضد إعفاء الذقن ولا تقصير الثوب باعتبارهما من السنن المأجور فاعلها لكنني كنت ولا زلت ضد تفشيهما دون وازع من فاعلهما حتى صارا طريقا للتقية يتقمصهما برغبة الوصول كثير من الفاسدين في سلوكهم ونزاهتهم المالية والعدلية.
وأزيد على ذلك أن كثيرا من الدشير وغير الملتزمين قد ركبوا الموجة المظهرية والتزموا بشكلها وتركوا مضامينها الإيمانية والأخلاقية الصادقة، وبالتالي فقد أورث الاهتمام والتقدير بهذا الشكل حالة من النفاق لدى قاعدة عريضة من أفراد المجتمع، بل ولدى كثير من الوافدين الذين جاؤوا من بلادهم، ولم يكونوا يحسنون الصلاة، ولا أركانها ثم صاروا بعد فترة وجيزة من الذين يتم استفتاؤهم في المجالس، بل يرتفع التقييم والتقدير لهذا الوافد بحسب حجم الثفنة البارزة في جبهته، والتي يدعي بعضهم أنها من كثرة السجود على حين أن بعضهم يقوم بحرقها تدريجيا بعقب السيجارة التي يدخنها إذا خلى إلى سكنه.
الخلاصة: دعونا نصبح واضحين في سلوكنا وممارساتنا بلا تقية أو تلون أو نفاق وفق منهج الإحسان، وأن نعبد الله كأننا نراه وإن لم نكن نراه فإنه يرانا.