ليس هناك ما يثير الاستغراب في تركيا، فالديموقراطية حضرت بكل تجلياتها وموضوعيتها في الانتخابات الأخيرة، حتى لو كان الحزب الأقوى التنمية والعدالة ورجله الأقوى إردوغان قد خسر مقاعد كثيرة جعلته في محل البحث عن التحالفات، لا الانفراد بالسلطة.
إلا أن المثير للاستغراب حقا، أن تقرأ لكتّاب عرب وناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي ما يشبه الاحتفاليات بتراجع حزب إردوغان، وكأن عداء دفينا بينهم وبين هذا الرجل، كان سبيلا للأماني والدعاء بأن ينتهي هو وحزبه.
هنا، لست في محل وضع مقاييس لحب الرجل أو كرهه، لكن ما أعنى به أن كثيرا من كتّابنا عاطفيون حد ركوب الموجة حتى لو لم يكن يعلم أهدافها ومنتهاها.. فقط لأن إردوغان كان شديد البأس في مواقفه السياسية حتى مع العرب، ولعل في قضية الإخوان المسلمين ما جعل من ذلك شأنا أوليا في أن تتفق معه أو تختلف معه، في أن تحب هذا الرجل أو تكرهه.
من حق أي إنسان الثناء والدعاء بالتوفيق لمن يراه خيرا عليه، وعكس ذلك في شأن الذم والدعاء على من يراه شرا، ولا يعنيه في ذلك إن كان -كما إردوغان- مطورا لبلاده ومنقذا لاقتصادها ورافعا رايات لأفضليات كثيرة، ومع ذلك سيبقى الرجل الذي أنقد تركيا من الفساد، وبفضله أصبحت قوة اقتصادية كبرى في المنطقة بعدما كانت الأكبر ديونا وشتاتا تحت وطأة العسكر.
ومن هنا، نسأل أولئك المحتفلين عن السوء الذي كان عليه إردوغان وحزبه علينا، ولنأخذ ما يخصنا كسعوديين وبعيدا عن انتمائنا العربي، فمع قراءة للانتخابات تجد ما يشير إلى أن بعض كتّاب سعوديين يضعون تركيا كما إيران في خطرها، رغم أن مثل ذلك جمع خاطئ، انطلاقا من الواقع الحقيقي للخطر الفارسي، والرقي الفكري والأيديولوجي التركي، وحسن تعامل الشأن الأخير مع بلادنا وعلاقتها الوثيقة بها، فضلا عن أن تركيا لم تدعم ميليشيات، ولم تحرك جماعات لإيقاع الضرر بأي من العرب.
إن كان الانطلاق في شتم إردوغان والفرح ببعض الخسارة التي تعرض لها، من اتهامه بالاحتجاج حيال بعض القرارات العربية، ومساندة الإخوان المسلمين وجعل بلده ملجأ لهم، إلا أنه لم يدعمهم عسكريا ولا ماديا لإقلاق بلادهم، بل إنه فعل في القضية السورية من نواح إيجابية ما لم يفعله كثير من العرب، وسيظل التهديد الأكبر لنظام الأسد، وأحد المتصدين لامتداد عدوان إسرائيل على فلسطين، وإيران سورية على لبنان.
وعلى ذكر الأخيرتين إسرائيل وإيران، كنت أتمنى من الإخوة الكتاب المحتفلين بتراجع إردوغان أن يقرأوا الاحتفاليات الحقيقية عبر الصحف وبعض التصريحات الرسمية في البلدين المذكورين، بل إن بيريز عدّ ذلك انتصارا لإسرائيل.
ختام القول: قد تكون تركيا خسرت اقتصاديا من جراء بعض مواقفها مع مصر ودول الخليج، بحسب تراجع استثمارات مليارية كثيرة، لكن تظل المواقف الإيجابية العامة لحزب التنمية والعدالة الأقرب إلى العرب منها إلى إيران وإسرائيل.
ونعود لنسأل الشامتين أن يحددوا لنا فكرتهم وسط تخبطهم بأن أهداف إردوغان أن يكون سلطانا عثمانيا أو زعيما دينيا إخوانيا، وبين هذا وذاك حضرت العاطفة العربية لدى بعض من كنّا نعتقد أنهم محللون سياسيون، ليقعوا في فخ ركوب الموجة الإخوانية نفسها.