مبررات أعضاء الشورى في رفضهم 'الوحدة الوطنية' لم تكن إلا غطاء للأسباب الحقيقية التي تقف وراء رفض مشروع النظام برمته، والتي تعود في الأساس إلى الثقافة الاجتماعية السائدة

من أبرز المبررات التي طرحها بعض أعضاء مجلس الشورى في رفض مشروع الوحدة الوطنية هو أن النظام الأساسي للحكم في المملكة كفلها وحماها ولم يفرق في إعطاء وعدالة الحقوق بين المواطنين على حسب مناطقهم أو قبائلهم أو طوائفهم، ودعمت نصوصه المفهوم الشامل والمتقدم للوحدة الوطنية. إضافة إلى أن: الأنظمة المقترحة لن تقدم أي جديد ولا تحل مشكلة فراغ تشريعي بل ستسهم في فتح ثغرات جديدة، كما أن هذا النظام يمثل اعتداء على النظام الأساسي للحكم الذي يحوي أكثر من 12 مادة تعنى بتعزيز الأمن الوطني والحماية الوطنية.
صحيح أن النظام الأساسي للحكم تضمنت مواده أحكاما تتعلق بالوحدة الوطنية ونبذ التمييز والتفرقة على أسس طائفية أو قبائلية، ولكن تظل هذه الأحكام أحكاما عامة تحتاج إلى أنظمة ولوائح وإجراءات تفصيلية لتحقيق هدف هذه الأحكام، فعلى سبيل المثال تضمن نظام الحكم مواد تتعلق بحماية البيئة من التلوث، وبناء عليها هناك النظام العام للبيئة ولائحته التنفيذية، كما أن هناك جهة مختصة لتطبيق هذا النظام، وهذا ما ينطبق على النظام الأساسي في الحكم سواء في مجال الصحة أو التعليم أو الشؤون الاجتماعية والاقتصادية.
وفي رأيي أن أعضاء مجلس الشورى الرافضين لفكرة المشروع يدركون جيدا كيفية صياغة الأنظمة والقوانين والأسس التي تستند عليها في ذلك، ولكن يبدو أن تلك المبررات ما هي إلا غطاء للأسباب الحقيقية التي تقف وراء رفض مشروع النظام برمته، والتي تعود في الأساس إلى الثقافة الاجتماعية السائدة،
واعترف بذلك أعضاء المجلس صراحة.
فقد ذكرت مصادر صحفية أن بعض أعضاء مجلس الشورى يرون في مشروع نظام الوحدة الوطنية محاولة لتمييع قضية الولاء والبراء وفتح الباب للصوفية والتشيع الصفوي وبقية المذاهب المضللة عقديا، إضافة إلى أن مشروع النظام يقدم خدمة لليبراليين والعلمانيين والملحدين ونشر أفكارهم المنحرفة دون الخوف من العقاب! كما أن المشروع يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية ونظام الأحوال الشخصية؛ بمعنى منح الجنسين نفس الحقوق في كل شيء؛ وذلك يلغي أحكام الإرث والزواج والعدة والنفقة وتعدد الزوجات وغيرها، فضلا على أن النظام يفتح الباب أمام الاتفاقيات الدولية التي تحفظت المملكة على بعض بنودها!
وبناء على ما سبق، فإن السؤال المطروح هنا يتلخص في مصدر تلك التصورات والتوقعات المسبقة لمشروع نظام لم يصدر بعد؟ وهذه هي النقطة المهمة التي غفل عنها كثيرون، فلا يمكن تصور قراءة نصوص مواد مشروع النظام بأذهان فارغة أو دون أية مسبوقات فكرية ومفروضات ذهنية، وللأسف فإن هذه المسبوقات هي في الحقيقة تمييز طائفي ومذهبي واعتداء على حقوق الإنسان وفق معايير العصر الحديث.
ونظرا لأن أعضاء مجلس الشورى هم من أبناء المجتمع، فهم بلا شك يتأثرون بثقافته وأعرافه وتقاليده، ومن هذا المنطلق فإن تلك الأحكام المسبقة التي أطلقت على مشروع نظام الوحدة الوطنية مصدرها الخطاب الديني السائد الذي يرفض فكرة المواطنة من أساسها، وينكر أن يكون الإسلام في نظامه مثل هذه المفاهيم، بل يعتبرونها السبب الرئيسي في تمزيق الوحدة الإسلامية.
وينطلق بعض الدعاة ورجال الدين في إنكارهم لمفهوم المواطنة من موقع كونها مفاهيم ومعايير بشرية، والإسلام نهى عن التحاكم إلى عقول البشر في شؤون تحديد القيم والمعايير والتشريع للناس، وسمَّى ذلك عبادة للطاغوت وهو كل ما يُعبَد من دون الله؛ أي: يُطاع من دونه سبحانه، وجعله محكا للإيمان، وأمر بالرجوع إلى الشرع فيما تختلف فيه الأهواء وآراء الناس، وواقع الثوابت الوطنية أنها دون ضابط واضح، وتختلف فيها أهواء الناس وآراؤهم.
ويقولون أيضا إن: الوطنية لا يمكن بحال أن تكون هي هويَّةَ المسلم، ولا مجرد جزء في هذه الهوية؛ فهذا يؤدي إلى تشتُّت انتماء المسلم، وفقدان فاعلية الهوية الإسلامية، فضلا عن مخالفته الشريعة الربانية، والهوية الوطنية مفهوم يرفضه المسلم؛ لأنها: تشوب صفاء التَوحيد، وتنقض عقيدة الولاء والبراء فيه إن جعلَها الإنسان محور ولاء؛ بأن يكون ولاؤه منعقدا على أبناء الوطن الواحد، بغضِ النَظر عن معتقداتهم وأفكارهم، بل حتى لو كانوا من المشركين! اتباعا للأهواء وعقول البشر فيما ينبغي أن تكون مرجعيته هي الشرع وحده كما أن هذه المفاهيم في نظرهم تفضي إلى التبعية للغرب؛ فحين تجزأَت الأُمة إلى كيانات وطنية متفرقة هزيلة، كان أن التحق كل كيان بقوة كبرى تسنده؛ لأنه لا يعتمد على هويَّة أصيلة عند الأمة.
ويستند بعض هؤلاء في مفهوم الوطنية على الحديث الشريف عندما سئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله، ويقولون في شرح هذا الحديث ما نصه: نحن إذا قاتلنا من أجل الوطن لم يكن هناك فرق بيننا وبين الكافر، لأنه أيضا يقاتل من أجل وطنه! والشرح السابق للحديث الشريف غير دقيق وليس في محله، إذ إن العدالة والمساواة بين الناس، وضمان الحريات وحقوق الإنسان هي المعنى الحقيقي أن تكون كلمة الله هي العليا، وبالتالي فإن نظام الوحدة الوطنية يعدّ نوعا من سعي الإنسان إلى العدالة والمساواة ومن ثم السعي في سبيل الله.
هذا مختصر لمواقف بعض الدعاة المخالفين من مفاهيم المواطنة والوحدة الوطنية وثوابتها، وبهذا يتضح جيدا، الإشكالية الكبرى التي تواجه المجتمع في ترسيخ هذه المفاهيم على أرض الواقع، والقانون هو المدخل المناسب لحل هذه الإشكالية الذي يتضمن إقرار التعددية في المجتمع، ومن ثم الحد من الصراع الطائفي والتعصب المذهبي والقبلي.