جاء نداء الأمير خالد الفيصل إلى 'الإنسان السعودي' بالدرجة الأولى؛ لأنه المعني الأول بالتجربة السعودية، ولكنني أعتقد أن كل إنسان مسلم معني بتلبية النداء، ليس في السعودية فقط بل في كل مكان

توقفت طويلا يوم الجمعة الماضي عندما ضرب الإرهاب ثلاث قارات، هي أوروبا وآسيا وأفريقيا، وأوقع 350 قتيلا وجريحا، وكان أفظعها ما حدث للمصلين في مسجد المناصرة في الكويت الشقيقة. وتابعت طوال الأيام الماضية الأصداء لتلك الأحداث من ردود فعل إعلامية، وتذكّرت ما كنت قد قرأته في الوطن يوم الثلاثاء الماضي في مقال لصاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، تحت عنوان الإسلام ينادينا، إن لم نلبّ.. فمن يلبّي؟ وما لفتني في ذلك المقال هو التوجه إلى المواطن السعودي مباشرة.
طبعا أنا لست سعوديا ولكنّي منذ (عاصفة الحزم) وأنا أتساءل عن دور النخبة الخليجية في هذا التحول التاريخي لدول مجلس التعاون الخليجي، بعد أن قررت قياداتهم التأكيد على الإرادة القوية في مواجهة التحدي الذي يهدد استقرار دولهم ومجتمعاتهم بالعنف والفوضى، إضافة إلى كسر الصورة النمطية التي حاول البعض تقديمها عن هذه الدول بأنها ليست لديها القدرة الدفاعيّة عن بلادها. الجواب كان صادما مع (عاصفة الحزم) التي يحاول الكثيرون الآن تجاهل ما أحدثته في الشخصية الخليجية خصوصا والعربية عموما، هذا بالإضافة إلى التغيير الإقليمي والدولي في نمط التعامل مع هذه الدول، خصوصا المملكة، إذ أصبح الجميع الآن، إقليميين ودوليين، يتعاملون مع هذه الدولة بالكثير من التقدير والحذر، حتى أصبحت نموذجا للدول التي تريد أن تحافظ على سيادتها واستقرارها وأمن مجتمعاتها.
ما الذي أراده الأمير خالد الفيصل من تلك الرسالة البالغة الدقة والعميقة الوجدان الوطني، إذ أوجز بسطور قليلة تلك التجربة الوطنية السعودية وانتقالها من طور قبليّ متناحر إلى دولة عصرية حديثة خلال سنوات قليلة، مع التمسّك بكتاب الله الكريم والسنّة النبوية الشريفة، وهي جوهر المبايعة بين المواطن وقيادته وبين القيادة ومواطنيها، وبذلك تكون السعودية هي الدولة الوحيدة التي تحكم على أساس الكتاب والسنة. فهمت تماما الغاية من تلك المقالة بعد جمعة الإرهاب الأخيرة؛ لأن المستهدف من الإرهاب كان الدين الإسلامي الحنيف، إذ ارتكبت تلك الجرائم باسم الدين الإسلامي، وكان المقصود منها تعاظم عداء العالم للإسلام والمسلمين. من هنا، تأتي أهمية التجربة الفريدة للمملكة التي استطاعت أن تقيم دولة حديثة ومتطورة بكل المعايير الدولية مع تمسّكها بالدين الإسلامي والسنة النبوية حكما ونهجا.
جاء نداء الأمير خالد الفيصل إلى الإنسان السعودي بالدرجة الأولى لأنه المعني الأول بالتجربة السعودية. ولكنني أعتقد أن الإسلام الآن ينادي كل المسلمين، وكل إنسان مسلم معنيّ بتلبية النداء، ليس في السعودية فقط بل في كل مكان، لمواجهة هذه الهجمة الوحشية باسم الدين والتي لا يعرف أحد أساسا لها ومن أين تبدأ وإلى أين ستنتهي؟. ولو كنت سعوديا لبادرت إلى الحوار والنقاش حول ما كتبه سمو الأمير خالد الفيصل؛ لأن الحوار وحده يستطيع أن يقرب المجتمعات من بعضها بعضا، خصوصا أن المقال توجه إلى الإنسان السعودي عموما وليس إلى فئة بعينها.
مفجعة كانت نتائج الجمعة الإرهابية وليست مفاجئة لأنها استهدفت استقرار الكويت، الدولة الخليجية الشقيقة والحكيمة التي تقدم نموذجا على تماسكها الاجتماعي والوطني، وهذه العملية أتت بسياق تفجيرات المنطقة الشرقية في المملكة أيضا. وكان الاستهداف لوحدة المجتمعات الخليجية، ومحاولة العبث بنسيجها القوي الذي ساعد على تماسكها في وقت انهارت فيه مجتمعات عربية كسورية والعراق واليمن وليبيا وتهدد لبنان أيضا.
يأتي استهداف فرنسا مجددا بعد الزيارة الناجحة لولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا وتوقيع اتفاقات وصفت بالتاريخية بحجمها ونوعيتها، ومنها بناء مفاعلات نووية سلمية، إضافة إلى العديد من الاتفاقات الاستراتيجية والموقف الفرنسي الواضح من المفاوضات النووية مع إيران، فضلا عن الزيارة المميزة التي قام بها الأسبوع الماضي وزير الخارجية الفرنسي للمنطقة واجتماعه مع وزراء الخارجية العرب في جامعة الدول العربية ودعوته إلى العمل على إصدار قرار من مجلس الأمن لعودة التفاوض من أجل الدولة الفلسطينية ضمن مهلة زمنية محددة، وهناك كلام عن أن مجزرة تونس كان المقصود منها الفرنسيين، إلا أنها أصابت السياح البريطانيين بشكل مفجع أيضا.
إن ما نشهده في منطقتنا من مجازر وتهجير وقتل وعنف وإرهاب، معظمه يتم باسم الدين، والمقصود منه استهداف الدين الإسلامي الحنيف والسنة النبوية الشريفة بالنعرات المذهبية التي أعادت إحياءها إيران، إضافة إلى التعرض إلى المجتمعات الآمنة للمؤمنين من بعض الحكام المستبدين في سورية والعراق، وكلها تجعل إمكانية استيعاب الكثيرين من الشبان الأبرياء أمرا سهلا وممكنا. ولذلك أراد أن يذكر صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل كل إنسان سعودي بأهمية الانتباه لما يحاك ضد التجربة الإسلامية السعودية والوطنية المميزة والحديثة، وبأن الإسلام ينادينا، إن لم نلبِّ فمن يلبّي؟
أنا لست سعوديا ولكني سمعت النداء.. والإسلام ينادينا جميعا.