كثير من السلوكيات التي تؤذي بعض أفراد المجتمع وتعد نوعا من الإرهاب لهم بالإمكان تقويمها بالقوة عن طريق القانون الذي يمنع الفرد من الجرأة على انتهاك حدود الآخرين إذا لم تمنعه إنسانيته ودينه وقيمه عنها
في المقال السابق، وفي معرض الحديث عن مشروع التنظيم الإرهابي لداعش داخل السعودية من خلال استقطابهم للشباب في عملياتهم الإرهابية داخل وخارج الوطن، ذكرت أن القضية برمتها هي موضوع يتعلق بالفكر في المقام الأول، ولا يمكن علاج أي خلل يكون هذا قاعدته التي يقوم عليها إلا من خلال المنظور نفسه، خاصة عن طريق تتبع أركيولوجيا الوعي الجمعي الذي تناوله الفيلسوف ميشيل فوكو كثيرا وذلك: بالبحث عن أصول الأشياء عندما انعقدت وتشكلت في صورتها الأولى.
الجانب الآخر الذي سأذكره اليوم لا يختلف كثيرا في إرهابه وضرره عن الإرهاب الداعشي. نوع من الإرهاب الاجتماعي الذي يمس شريحة كبيرة من الأفراد ولا يخلو منه مجتمع في العالم كله، ولكنه يتفاوت من مكان إلى آخر وحسبما تتعامل معه الحكومات في كل دولة.
هذا الإرهاب الاجتماعي ربما يتفرع لأشكال عدة كلها تسيء إلى الفرد والمجتمع، خاصة مع تراكم السكوت عنه وعدم معاقبة المتسبب فيه. أحد أشكاله يتمثل في التحرش الذي شاهدناه بكل أسف خلال الأيام الماضية في جدة والطائف، تعرضت له بعض الفتيات في تلك المدن، وتداول الإعلام والكتاب وشرائح مجتمعية كثيرة هذه القضية بالنقد والتحليل والتفنيد، وأحيانا بالتبرير والتأييد لذلك التصرف الهمجي.
التباين في الآراء حول قضايا التحرش أو أي قضية أخرى تحدث في المجتمعات أمر طبيعي، لأن هذا خاضع لطبيعة البشر في عدم الاتفاق على أمر واحد بالمجمل، لكن الغريب في هذا الأمر أن مجتمعنا دائما يوصف بالمحافظ ولديه قيم دينية عريقة ورثها عن القرآن والسنة، وأخرى تصنف ضمن مروءة وشهامة العرب التي عرف بها تاريخنا العربي دون التعويل عليها كثيرا مقابل ما يتلقاه الفرد السعودي من تعاليم دينية طيلة حياته في كل مكان: المنزل والمسجد والمدرسة والإعلام. كل هذه الأمور تجعل من حدوث قضايا التحرش والاعتداء وضرب الأطفال والنساء وإيذائهم أمورا مستنكرة من البعض أكثر مما هي لدى الغير، مع أن ما يظهر منها على السطح أقل بكثير مما خفي في قاع التفاصيل وخفايا الحياة وواقع المنهكين بالصمت والخوف والتردد.
من الأخبار اللافتة ما صدر عن وزارة الخارجية السعودية العام الماضي من تحذير لرعاياها المقيمين في الخارج من تقبيل أبنائهم على شفاههم في الأماكن العامة، وذلك بعد حادثتي رفع دعوى قضائيتين ضد عربي وآخر سعودي في دول أجنبية، انتهت بسحب حق حضانة الطفل من العائلة العربية بدعوى أن تقبيل الطفل من شفتيه في مكان عام يعد تحرشا به. ثم جددت الملحقية الثقافية في سفارة المملكة في بريطانيا تحذيراتها للطلاب المقيمين في بريطانيا قبل شهر من الآن من بعض التصرفات التي يعتقد السعوديون أنها سلوكيات عادية بينما هي تعد لديهم جرائم يعاقب عليها القانون.
من تلك الأمور التي حذرت منها القنصلية الثقافية: ضرب الأولاد أو القسوة عليهم في الأماكن العامة، وعدم ترك الأطفال تحت سن السادسة عشرة بالمنزل وحدهم، أو الذين تقل أعمارهم عن الثانية عشرة في السيارة دون وجود شخص بالغ معهم. مع تعليمات خاصة للتعامل مع العاملات المنزليات يشدد عليها القانون البريطاني.
نكتشف من مثل هذه التحذيرات أن السعودي يقوم بالامتناع عن بعض التصرفات بالخارج لأنه يعلم أن هناك من سيحاسبه ويعاقبه بموجب قوانين واضحة فرضها عليهم مجتمعهم المدني على أي تصرف يؤذي الآخرين، خاصة الصغار والنساء، وهذا ما نلحظه بالفعل خارج البلاد، إذ يظهر لنا مواطنونا بمظهر كبير من الوداعة والاحترام للآخرين ومن انضباط والتزام بالقوانين.
إذًا، فكثير من السلوكيات التي تؤذي بعض أفراد المجتمع وتعد نوعا من الإرهاب لهم بالإمكان تقويمها بالقوة عن طريق القانون الذي يمنع الفرد من الجرأة على انتهاك حدود الآخرين، إذا لم تمنعه إنسانيته ودينه وقيمه عنها. وهذه المسألة مثل كثير من الأمور الأخرى التي يقف في وجهها بعض المعارضين هي بيد السلطة العليا في الدولة لفرضها على الجميع. ولكن في ظل غياب القانون الذي يحمي من التحرش أو الإيذاء الجسدي والنفسي للبعض نعود للتساؤل عن سبب وجود مثل هذه السلوكيات الشاذة لدى بعض الشباب، ثم نجد من يبررها لصالح المجرم الذي قام بها كما حدث في حادثة التحرش بفتيات جدة؟
أغلب هؤلاء الشباب والشابات نشأ في ظل تغييب تام لثقافة التعامل مع الجنس الآخر، وأقصى من يراه ويتعامل معه من النساء بطريقة مباشرة هم في محيط أسرته فقط. والحال بالمثل لدى الفتيات اللاتي لا يتعاملن في الأغلب إلا مع الرجل في محيط أسرتها فقط. فيصبح في مرحلة عمرية ما هوس البحث واستكشاف الآخر ملحا لدى الطرفين، ومع الفصل التام في المجتمع بينهما تبرز محاولة اقتحام عالم الآخر بالإكراه وتتبع الفضول وفرض السيطرة، خاصة من طرف الرجل الذي منحه المجتمع بقراءته الخاطئة للدين مكانة أعلى من المرأة، وألبسه قناعة خاطئة بأفضليته عليها كرستها التربية داخل الأسرة في أنفسهم.
فهو حينما يخطئ على المرأة يعتقد أن هذا حق مطلق لديه، فهو إن ضربها أو عنّفها نفسيا أو لفظيا أو تطاول على حريتها في مكان عام، لا يؤمن في قرارة نفسه بأنه ملام، بل إن الخطأ منها هي لأنه ينبغي عليها الطاعة والمثالية التي فُصلت على مقاييس المجتمع الذي عاشوا فيه. حتى وإن كان فعله شنيعا فإن الناس حوله لا بد أن تجد له مبررا يدين المرأة في نهاية الأمر.
في أصل النظرة للمرأة لدينا تكمن المشكلة، وهي الأساس الأول الذي قد نتداركه مع الصغار في تربيتهم، ونفرضه على الكبار منهم الذين ينقصهم الوعي والإدراك واحترام الإنسانية بقوة القانون.