آن الأوان كي نعيد صياغة ثقافة تحترم الاحتكام إلى القوانين المنصوص عليها تعاقديا، وترى فيها الضمانة الحقوقية الأوفى، فمهما بدت فاعلية سلطة الأعراف ووفاؤها فمن المهمّ التنبّه لقصورها في المجتمعات الحديثة وتعقيداتها

أثيرت مؤخرا في الأوساط الثقافية قضية سن قانون يمنع التحرش، وقد تفاوتت الآراء حوله بين التأييد والاعتراض، كما أثيرت قبلها قضية سن مواد تجرم التمييز العنصري والطائفي تحت عنوان (قانون الوحدة الوطنية). لن أناقش منطقية الحجج المستعملة في التأييد أو الاعتراض التي استعملت في سياق هاتين القضيتين أو غيرهما. وإن كانت لهما صلة بما سوف أتناوله بهذا المقال.
وهو ما أراه من جدل تحتيّ بين محرّكين فكريين مهمّين لا يخلو منهما مجتمع من المجتمعات. أحدهما محرّك (العُرف) والآخر هو محرّك (القانون)، ولكي نفهم هذا الجدل علينا أن نفهم طبيعة التكوين في كلٍّ منهما على حدة. كما نفهم طبيعة العلاقة بينهما بعد ذلك.
العُرف هو تلك السلطة الثقافية التي تحتكم بشكل مقارب للإلزام إلى ما تعوّد الناس معايشته وما سوّغته العادة والتقادم من أمور. ولكننا عند تحليل العرف نجد أنه لا يعبر عن مراد الأفراد الحقيقي بالضرورة، حيث لا وجود لطريقة تثبت أن أغلبية الأفراد سيصوتون لصالح حكم عرفي معين. ولكن كل ما يمكننا التعرف عليه بشكل أوضح هو تعبيره في الغالب عن مراد بعض مراكز ثقل في المجتمع خوّلت لنفسها النطق بما يتماهى مع ما يمكن اعتباره عرفا أو تقليدا. أما القوة التي تستند إليها مراكز الثقل تلك فغالبا ما تكون مستمدة من طمأنينة حظيت بها كحارسة للقيم المعوّل عليها في تماسك المجتمعات، أو مستمدة من أسبقية القبول بها في سياقات ثقافية معينة.
من المفهوم أن سلطة مراكز الثقل الحارسة للأعراف تزداد مع كل حالة يتم اللجوء فيها إليها. ولذلك فمن المريع بالنسبة لها أن ينشأ نموذج منافس يحقق درجة متفوقة من التماسك الحقوقي أو حتى مقاربة لها بالكفاءة. ولعل في ذلك بعض ما يفسر نشوء مظاهر احتقار ثقافة التقاضي واللجوء إلى مؤسسات القانون في البلدان المتأخرة، إذ إن هذا يعكس بشكل ما مقاومة سلطة (العُرف) لإقصائه من قبل سلطة (القانون) التي قد تحقق كفاءة حقوقية أفضل في كثير من الحالات.
(القانون) لا يتجاهل الأعراف بشكل كامل، بل هي من أهم مصادره في العادة، ولكن الطابع التعاقدي للقانون يسحب السلطة من مراكز الثقل الاجتماعية ليحولها إلى مواد مكتوبة يتساوى الناس في مقدرتهم على التعاطي معها بشكل واضح، كما يحيل تنفيذها إلى مؤسسات تدين بالتبعية بشكل كامل لكيان الدولة. لا مجال فيها لتوازنات التأثير التي يسمح بها الاحتكام إلى العُرف. فالقانون حتى مع افتراض احتوائه على بعض الجور يملك سلطته من داخله بشكل مستقل ولا يخضع للزحزحة بطريقة (حبّ الخشوم) أو نحوها. فإذا افترضنا أن قاضيا ما حكم بخلاف القانون فسوف يسقط هذا الأمر القاضي ولا يُسقط القانون، ذلك أنه المتغير الذي خالف الثابت وليس العكس. في حين أن الحكم العرفي يفتقد إلى هذه الخاصية حيث يتشكل مع كل حالة تخالف سابقاتها بشكل طارئ، فيتساقط بذلك (العرف) دون أن يسقط اعتبار الناطق باسمه.
يكون الإشكال مركبا حين تترّس مقاومة مراكز الثقل العُرفية خلف الإطار الديني، فتوحي بأن حراستها الحقوقية لا مستمدة من التقاليد والتقادم فحسب، بل من الدين نفسه فتقاوم تقدم النموذج القانوني تحت شعار حماية التدين، وقد لا تخفى هذه المغالطة على المتمعن، حيث لا شيء يمنع عقلا من تصور الدين مصدرا تشريعيا لأي قانون، وعليه فإن نشوء أي قانون مستمد من الدين لا يهدد سلطة الدين بقدر ما يهدد سلطة عرفية اجتماعية استساغت حيازة الاستحواذ على النطق باسمه بشكل دائم.
قد نكتشف عند فهم هذه الجدلية تجلياتها في كل قضية مثارة كالقضيتين اللتين تقدم الكلام عنهما في رأس هذا المقال.
لا أزعم بطبيعة الحال أن هذه الجدلية تشكل العامل الوحيد في مقاومة سن القوانين والاعتماد عليها بشكل رئيس، ولكنها عامل لا يمكن تجاهله في نظري.
آن الأوان كي نعيد صياغة ثقافة تحترم الاحتكام إلى القوانين المنصوص عليها تعاقديا، وترى فيها الضمانة الحقوقية الأوفى، فمهما بدت فاعلية سلطة الأعراف ووفاؤها لما تحمله من أبعاد تراحمية فمن المهمّ التنبّه لقصورها في المجتمعات الحديثة وتعقيداتها؛ لذلك فمن غير المنطقي أن ترتفع الأصوات شجبا لسن القوانين -خصوصا ما تعلق منها بالعناية بحقوق إنسانية أساسية تعد الركيزة الأولى في سلامة المجتمعات- بحجة وجود البديل العرفي الكفيل بإقامتها حتى لو تلبس ذلك البديل لبوسا مغرية بالقداسة. فمثلما أن العقد المكتوب بين طرفين أكثر ضمانة لحقوقهما من العقد الشفهي، فكذلك يكون القانون أكثر ضمانة لحقوق أعضاء المجتمع من السلطة العرفية.
علينا الوعي بالمصلحة العامة لمجتمعاتنا والحذر من الإضرار بها في غمرة اندفاعنا في حماية مكتسبات سلطوية قديمة لبعض مراكز الثقل الاجتماعية، فلا شيء يسوق للدوافع المصلحية الضيقة مثل الهتافات المتدثرة بالنبل والفضيلة، ولا شيء أقدر على التنكّر بثوب النبل من شيء ننظر فيه إلى إرثنا ومألوفاتنا بحميمية.