يقع على المملكة في عهدها الجديد أن تقدم مصلحتها وتربط معوناتها بحسب مواقف الدول معها، وبحسب انسجام ذلك مع توجهاتها، والتوقف عن أسلوب الإعانات والقروض المجانية

واضح أن السعودية مؤخرا آخذة في تغيير أسلوب تعاطيها السياسي ولو على نحو هادئ وبطيء، لكن بما ينسجم ويتماشى مع مصالحها ومع ردود الفعل المقابل.
لكن على الرغم من التغير الذي بدأ واضحا في التجديد والنزوع إلى تجديد الدماء، والمبادرة في الفعل الواضح والجهوري، فإن ذلك لا يعني تخلي المملكة عن ثوابتها الاستراتيجية وسياستها الراسخة التي تعتمد أسلوب الرصانة والصبر والنفس الطويل الذي يبتعد -ما أمكن- عن الاستعراضات الجماهيرية والشعبوية.
على أن مقتضيات المرحلة ونتائج الواقع حتمت على المملكة المضي قدما وبصورة أعرض في انتهاج سياسة المصالح والمنافع وبشكل براغماتي يعتمد المصلحة الوطنية بعيدا عن العواطف.
لقد اعتمدت المملكة خلال العقود الماضية في تعاملها السياسي مع الدول على ابتدار هاجسها ووزنها الديني على نحو جعل العامل العروبي القومي والوازع الديني الإسلامي هو الأساس الذي يُبنى عليه نهج التعاطي وأسلوب التعامل مع الدول العربية والإسلامية، لكن هذه الحميمية السعودية والأخلاق الصحراوية الواضحة لم تقابل بنفس الوضوح والصراحة بل على العكس من ذلك، فقد فهمت أحيانا على غير مقصدها وعوملت بالمقابل بشيء من الخذلان والاستصغار، وممارسة سياسة الابتزاز والمساومة.
حتى إن كثيرا من الدول بدلت مواقفها برغم الدعم والإعانات المجانية التي قدمتها المملكة على هيئة هبات بلا فوائد.
كان الأولى في نظري كمواطن أن تقدم المملكة دعمها على هيئة قروض يتم خلالها ربط مواقف الدول المعانة وانحيازاتها بحسب مواقفها مع المملكة.
وكلنا يعلم أن عالم السياسة يموج بالنفعية واعتماد المكاسب وحساب الأرباح والخسائر وهو المعتمد دوليا، وذلك الأسلوب مقدم على اعتماد الأخلاق والإخلاص والطهارة في عالم يعدّ كل ما هو خلاف ذلك من باب الضعف والعجز والخوف.
وهكذا رسمت كثير من دول الجوار سياستها التوسعية بحسب رؤيتها ورسالتها التي تتبنى فكرة وأسلوب تصدير الثورة دون وضع الاعتبار لما تلتزمه المبادئ الإسلامية من حسن الجوار وأسلوب الحوار.
من هنا، يقع على المملكة في عهدها الجديد أن تقدم مصلحتها وتربط معوناتها بحسب مواقف الدول معها، وبحسب انسجام ذلك مع توجهاتها، والتوقف عن أسلوب الإعانات والقروض المجانية؛ لأننا نلحظ كيف حدثت وتحدث حالات من تحول المواقف ضد المملكة من بعض الدول التي استقبلت الإعانات المليارية، لأن هذه الإعانات ليست مربوطة كقروض مستردة بحسب مؤشر بوصلة توجهاتهم الـمع و الـضد.
لم يعد كافيا الاتكاء على عنصر الأخوة والصداقة في ظل كون بعض الدول الشقيقة والصديقة لا ترعى مواقف المملكة، ولا تنسجم معها وفق المصلحة المشتركة.