هل الحب أصلاً موجود في أدبياتنا وقواميسنا الاجتماعية المعاصرة؟ هو حتى الآن حبيس دائرة الخوف والعيب والانحلال، ولا يحظى باعتراف أو قبول، ولا يتمظهر في سلوكياتنا وتعاطينا مع الآخر، مهما كان هذا الآخر

لا أظن أن مجتمعاً على وجه الأرض قديماً وحديثاً مُصاب بسلسلة طويلة من الفوبيات ـ جمع فوبيا، وهي الخوف أو الرهاب ـ كالمجتمع السعودي، حيث ساهمت وبشكل خطير ومؤثر سلسلة الخوف والرهاب تلك في تأخر وتراجع مسيرته التنموية الشاملة نحو العصر الحديث، عصر العلم والتقدم والتطور والتحرر. وكم عانى هذا المجتمع ـ ومازال ـ من الآثار السلبية الخطيرة لتلك الفوبيا التي أخذت أشكالاً وصوراً متعددة، بل أصبحت من سمات وخصائص هذا المجتمع المحافظ الذي يظن البعض ـ وهم كثيرون للأسف الشديد ـ أنه حالة فريدة ولا يمكن أبداً مقارنته أو مقاربته بالمجتمعات الأخرى، سواء الغربية أو العربية! هذا المرض اللعين ـ الفوبيا ـ يكاد يخنق كل حركتنا الإنسانية والمجتمعية، الخوف من أي شيء، ومن كل شيء، يحضر وبكل قوة في أدق تفاصيل حياتنا، فهناك فوبيا الاختلاط، وفوبيا المرأة، وفوبيا الجنس، وفوبيا السينما، وفوبيا الدين، وفوبيا الآخر، والكثير الكثير من تلك الفوبيات التي تستقر في عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا، فضلاً عن عقولنا وسلوكياتنا، مع الأخذ بالاعتبار طبعاً، أننا نشترك مع كل البشر في العالم في بعض الفوبيات الطبيعية والمعروفة، كفوبيا الأماكن الشاهقة، وفوبيا الظلام، وغيرها.
فوبيا الحب في السعودية، هي واحدة من أهم وأخطر النماذج المنتشرة من تلك السلسلة الطويلة، وسوف أحاول الاقتراب ما استطعت من هذه الظاهرة المعقدة التي يُعاني منها المجتمع السعودي. ولن أدخل في تعريفات وتوصيفات ومعاني الحب، فهي أشبه بركام هائل من الجدل واللغط البيزنطي العقيم، فقط أنا بصدد الكتابة عن الحب كما يعرفه الكبير والصغير، المثقف ورجل الشارع البسيط، المحافظ والمنفتح، الحب كما يعرفه الجميع. تلك العلاقة الرائعة والدافئة التي تربط بين المرأة والرجل.
هل يحظى الحب بصيغته البسيطة تلك بقبول وتفهم وتشجيع المجتمع السعودي، أم أن الوقت مازال مبكراً جداً لتطبيع مثل هذه العلاقة المحرمة التي تصلنا بكثافة وتعمد من قوى الانحلال والتآمر الغربي والشرقي على السواء عبر سماوات الإعلام المفتوح وفضاءات العولمة الكونية الموجهة؟ سؤال طويل وملتبس كهذا يختصر النظرة السلبية التي يحملها الكثير من عرّابي ومنظري الهجمة الشرسة التي نتعرض لها من قبل الدوائر والمؤسسات والدول الغربية لإفساد وإضعاف مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لاسيما الأجيال الناشئة.
وبشيء من الصدق والشفافية، أعترف بأنني لست ميالاً للخوض في مثل هذه المواضيع التي تحتاج لنفس طويل وإلحاح ممنهج وصبر طويل، وتلك مَلكاتٌ ومواهب لا أمتلكها، ولقناعتي التامة أيضاً بأن مجتمعنا المحافظ مازال يُدار ببعض العقليات المنغلقة التي تعيش خارج إطار الزمن الحاضر، ولن تُفلح كل المحاولات والمبادرات التي تحدث هنا أو هناك لتغيير هذا الواقع، ولكن ما شاهدته صدفة قبل عدة أيام في إحدى القنوات العربية استثار حفيظتي التقليدية في الكتابة.
لغات الحب الخمس، بهذا العنوان الصارخ والصاخب ـ بالنسبة لنا طبعاً ـ دارت رحى تلك الحلقة المثيرة، التي استفزت مشاعري المكبوتة، وأظنها فعلت ذلك مع كل المشاهدين السعوديين الذين أسعدهم الحظ بمتابعتها. إذاً للحب لغات، وتحديداً خمس، ما شاء الله! بينما نحن مازلنا في المربع الأول، وخصوصية الثقافة، ثقافة العيب وقلة الأدب والمجون، وهل المجاهرة أو الاعتراف بما يُسمى الحب مباحا أو متاحا أصلاً في مجتمعنا؟ وأسئلة كثيرة كانت ومازالت تضج في عقلي، وأظنها كذلك مع الآخرين. رغم كل تلك الصدمة الحضارية المدوية التي أحدثتها لدي تلك الحلقة المثيرة، إلا أنني لم أكتفِ بذلك، وصرت أبحث عن هذا الحب، وعن لغاته الخمس. ويُعتبر الدكتور جاري تشابمان مدير مؤسسة استشاريي الحياة الزوجية والعائلية الأمريكية هو صاحب هذه النظرية العاطفية، وتصدّر كتابه الذي يحمل عنوان لغات الحب الخمس، قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في أمريكا وفي العديد من دول العالم. وقد اعتبر المؤلف أن الحب هو أجمل شيء في الوجود، ولكنه يحتاج إلى أدوات ومهارات وخبرات، أو كما عبر عنها بلغات الحب الخمس. الأولى، هي الكلمات الإيجابية المشجعة أو الإطراء والغزل، كأن تقول لمن تُحب: ما أجملك هذا المساء، أو أن تُصرّح الزوجة مثلاً بمدى إعجابها بأناقة زوجها. اللغة الثانية، هي تكريس وقت خاص، بحيث يشعر الشريك الآخر بأنه مركز الاهتمام ومصدر السعادة. التهادي هي لغة الحب الثالثة، فالهدية رمز للحب، مهما كانت قيمتها، أن تتذكر من تُحب، تلك هي القيمة الحقيقية للهدية. أما اللغة الرابعة للحب فهي أداء الخدمات للمحبوب، كأن يقوم الزوج مثلاً بغسل الصحون أو المساعدة في ترتيب المنزل دون أن تطلب منه زوجته ذلك. أما لغة الحب الخامسة، فهي التلامس الجسدي، وهي اللغة الأكثر أهمية وحساسية، وأشكالها معروفة وضرورية كمسك اليد أو القبلة أو العناق أو غيرها من الطرق المعبرة عن الحب وتدفق المشاعر.
تلك هي لغات الحب الخمس كما جاء في الكتاب. ولكن هل الحب أصلاً موجود في أدبياتنا وقواميسنا الاجتماعية المعاصرة؟ هو حتى الآن حبيس دائرة الخوف والعيب والانحلال، ولا يحظى باعتراف أو قبول، ولا يتمظهر في سلوكياتنا وتعاطينا مع الآخر، مهما كان هذا الآخر. نحن بحاجة إلى هذا الحب أولاً، وبعد ذلك نفكر جيداً في كيفية التواصل والتخاطب عبر لغاته، أو عبر أي لغة كانت!