في وقت مضى كانت البطولة تنحصر في جرأة فردية يناجي فيها الضمير صاحبه في حين لا يستمع إليه الآخرون، وأما اليوم بفضل تزايد الوعي فنحن نشهد نشوء ظاهرة يمكن أن نسميها الحاسة الاجتماعية، حيث إن كثرة تداول النظريات الاجتماعية التي أصبحت رائجة في سوق الأفكار أظهرت أفكارا جديدة في جيل الشباب المتطلعين إلى كل تجديد. على الرغم من تباين الاتجاهات واختلافها إلا أنها فيما يبدو تتفق على نقطة واحدة؛ وهي الرغبة في الحركة والتجديد والتعلم، حينها استيقظ المعنى وتحولت الشكوى إلى جدل ومحادثات ونقاشات، وأصبح الناس يتجمعون حول من يتحدث عن قضاياهم.
هناك من يعيش في مراتب الرفاهية ولا تتسع خريطة عقله الإدراكية للضجيج، فلا يظهر منه سوى التحجيم لآراء النقاد والباحثين عن التطوير التنموي واتهامهم بنشر ثقافة الإحباط، وكأن الإحباط هدف للنقد وليس مسؤولية المنتج الحقيقي له، فيما أن مسامع بعض المسؤولين لا تتغنى إلا بالمديح والإيجابيات التي أصبحنا مستعدين للتذكير بها في كل موقف، فكيف يمكن اتهام النقاد بهذه التهمة لأجل أنهم يستهلكون وقتهم وأعصابهم وراحتهم وهمهم الاجتماعي في الكشف عن مشكلات مثبتة واقعيا، فيما يتناسى الآخر دوره ومسؤوليته في إصلاحها.
الحاجة التي لا يمكن تجاهلها هي البحث الدائم عن السلبيات وتحليلها ومحاولة علاجها والتخلص منها، بمقابل تسليط الضوء على الإيجابيات من أجل تطوير الأداء، ولكن علينا ألا نخلط الأمر ونلغي أحدهما بالآخر، فنذكر الإيجابيات حين نريد أن نواري الخطأ، ونتهم الناقد للسلبيات بالتجديف؛ لأن تحسين شكليات الحوار والنقد في الأخذ والرد حول هذه المسائل لا علاقة له بتأويل النوايا، وهي معادلة واضحة لا تحتاج إلى إذن ولا تنتظر الثناء من صانع للقرار، إنما هي تقتضي جرأة المواجهة والاعتراف بالخطأ الذي لا يوجد لتبريره معنى سوى الاستمرار فيه، وحين ننتقد الأخطاء فهذا يعني الحاجة إلى تحسين الأداء، ولا يعني ذلك أننا نلغي الجوانب الأخرى، فضلا عن أننا لسنا بحاجة إلى استعراض الإيجابيات دائما لتبرير حسن نوايانا.
إن الإحباط في الحقيقة لا يأتي من النقد واستعراض مشكلات الواقع الحقيقية، وليس ثقافة بل هو واقع معيش يأتي من الكثير من المشكلات، أهمها سوء الخدمة، لكنه اتهام يأتي كردة فعل من قبل بعض المسؤولين ضد انتقاد تقصيرهم، والمحبطون الحقيقيون هم من يتخاذل في تناول موضوعات النقد لأجل التصحيح في مسؤولياتهم، فيما أن التغيير للأفضل يأتي تبعة ضرورية لكل فكرة نقدية إذا ما عملنا عليها بإخلاص.