لا بد أن يجتمع المستثمرون ليعقدوا صفقاتهم في مجالات الثقافة مستفيدين من هذه المناسبة السنوية، وهذا يستلزم شمولية أكبر، وتخطيطاً واستراتيجية تجعل 'عكاظ' مناسبة عربية نقدمها إلى العالم

العنوان أعلاه شطر من قصيدة للشاعر حسن طواشي الفائز بجائزة الشعر لفئة الشباب بمهرجان سوق عكاظ بنسخته التاسعة (شاعر شباب عكاظ)، وكأني به يوجه هذا الوصف إلى هذا السوق العربي التليد الذي يمتد في عمق التاريخ، وأعيد بعثه من جديد -من أربعة وعشرين قرناً من الزمان- بإرادة سعودية مهندسها الأمير خالد الفيصل، وهو الغني عن التعريف، والذي يؤكد على أن سوق عكاظ لم ينبعث من جديد ليركز على استرجاع ماضي السوق التاريخي، وإنما ليواكب الحاضر ويستشرف المستقبل أيضاً.
بدا مهرجان سوق عكاظ لهذا العام مختلفاً وثرياً بالجهود الجبارة التي بُذلت فيه على مدى تسع سنوات مضت، وخاصة في مجال المسرح، والعروض الحرة، حيث إن العرض المسرحي الذي قدم هذا العام من خلال مسرحية عن الشاعر العربي لبيد بن ربيعة العامري، للكاتب الزميل صالح زمانان، أخرجها المخرج فطيس بقنة، وشارك فيها فريق عمل كبير سعودي وعربي، استطاع هذا العمل نقلنا من الماضي إلى الحاضر بطريقة فنية مميزة ورائعة.. تنطبق عليها العبارة الشهيرة: أعطني مسرحاً أعطك شعباً مثقفاً.
وتوحي المؤشرات بأن مهرجان سوق عكاظ في العام القادم سيكون أفضل وأكثر تميزاً لا سيما باستكماله عقده الأول، لننطلق من الماضي إلى الحاضر ومن ثم إلى المستقبل الذي نريد، خاصة أن عكاظ يعد على مدار التاريخ، الممتد لألفين وأربعمائة عام، وجهة عربية كبرى تقصده العرب من كل مكان، ليكون ملتقى ثقافياً واقتصادياً خلّده التاريخ لنحافظ على صورته المشرقة ونحتفظ به كواجهة حضارية تعكس مدى الحاجة إلى التطور.
وهنا ثمة أمل أن يكون عكاظ وجهة عالمية بعد إنجاز كونه وجهة عربية، بفعاليات ثقافية تغطي القضايا الإنسانية الكبرى، كالتعايش والأمن والسلام والإبداع.. بما يحفز العالم على الالتفات إليه، وهذا ربما يستلزم تحويل مهرجان سوق عكاظ إلى مؤسسة ثقافية وطنية مستقلة تنقله إلى العالمية وتتيح فيه فرص الاستثمار الثقافي، كما هو حال المهرجانات الثقافية والفنية والشعرية في العالم، إذ إن الاقتصاد الثقافي رافد مهم للاقتصاد الوطني من جهة، وللمجتمع السعودي من جهة أخرى، حيث تتيح فرص التنوع الثقافي لكل فئات المجتمع بالحضور والتفاعل والاستثمار أيضاً.
ولا يقل هامش مهرجان سوق عكاظ عن فعالياته الأساسية، فلقاءات الشعراء والمبدعين والمثقفين من خلاله هي فعاليات بحد ذاتها تتخللها الكثير من الحوارات والرؤى المفيدة، ولهذا فإن اجتماع المثقفين والفنانين والأدباء وغيرهم في العالم العربي -بل والعالم- أمر مهم ليعرضوا ما لديهم من نتاج في الثقافة وكافة عناصرها ومكوناتها من شعر وفن وموسيقى ومسرح وغيره، لكنه لن يكون كافيا بطبيعة الحال ما لم تؤسس أرضية خصبة لمشاريع ثقافية بين كل هؤلاء، ولذا يكون الأهم هو أن يجتمع أيضاً المستثمرون ليعقدوا صفقاتهم في مجالات الثقافة وغيرها مستفيدين من هذه المناسبة السنوية، وهذا يستلزم شمولية أكبر، وتخطيطاً واستراتيجية تجعل عكاظ مناسبة عربية نقدمها إلى العالم.