على بعد أمتار قليلة من منزلي، وعلى ناصية الشارع العام، جاءت إلينا أمانة مدينتي بلوحة دعائية عملاقة تدعونا فيها إلى المشاركة بالانتخابات البلدية. جهاز الأمانة الغالي العزيز جاء إلينا بإغراء لوحة انتخاب دعائية وهو ذات الجهاز الموقر الذي لم يأت إلى حارتنا من قبل في شيء من خدماته البلدية. هو ذات المجلس البلدي الذي تكلمت من قبل مع بعض أعضائه الكرام لأطلب منهم زيارة زاوية مهملة في هذه المدينة ثم اكتشفت أنهم مجرد زوار طاولة رسمية لاجتماعات المجلس البلدي المحنطة. هم بالحرف الصريح أعضاء طاولة إملاء لا حصة تعبير.
لماذا فقد المجتمع برمته حماس الذهاب إلى انتخابات المجلس البلدي؟ خذوا، أولاً، هذا الرقم الملفت للانتباه للدلالة على هذا الفتور المجتمعي الواسع نحو فكرة المجالس البلدية. تقول المعلومة المؤكدة إن أمانة جوهرية كبرى مثل أمانة العاصمة المقدسة لم تسجل من أرقام الناخبين في الأيام الثلاثة الأولى لافتتاح التسجيل سوى 187 ناخباً في مدينة يسكنها مليون مواطن يحق لهم الترشيح والترشح. هذا الرقم الفقير المخجل لا يعكس شيئاً بأكثر مما يعكس فقد المجتمع للثقة فيما يمكن أن تقدمه لهم فكرة المجالس البلدية من تغيير في واقع حياتهم اليومية. نحن اليوم بكل وضوح وصراحة نقطف جناية ما حصل في أول دورة انتخابية لفكرة هذا المجلس لا من الوعود البراقة فحسب، بل من الاستعراض المدرسي لقوائم الذهب والألماس التي كانت تفاخر بانتصاراتها ونفوذها المجتمعي وكأننا يومها نتنافس على مجالس الدعوة والإرشاد أو نقابات جمعيات سلفية أو إخوانية. ولأن المجتمع أذكى وأكثر نباهة من صراعاتنا الفكرية فقد استوعب التجربة. المجتمع يريد اليوم أفكارا لفتح محاور تنموية جديدة على ضفاف كل مدينة. يريد أن يرى الرصيف وأعمدة النور وردم الحفر ونظافة الشارع وبقية الخدمات التي تقع في صميم عمل المجلس البلدي . المجتمع ما زال ذكيا بما فيه الكفاية وهو لن ينسى أبدا برامج المرشحين في الدورة الأولى ولهذا بدأ يعاقبها بالغياب الجماعي في الدورة القادمة.
سأختم لكم بما يلي: في كل دورة خلت فكرت شخصياً بالترشح لعضوية طاولة المجلس البلدي ثم تقاعست لسبيين: الأول، أنني لا أملك طاقة الحشد العددي لاجتياز المنافسة، والثاني، أنني لا أمتلك ما يكفي لتكلفة الدعاية أمام منافسين تدفع عنهم مدارسهم المختلفة لإثبات الوجود. اليوم، أستطيع أن أفوز بالمقعد لو أنني حشدت مجرد أهلي وأبناء عمومتي من حملة اسمي الأخير في رأس المقال، وهذا رقم يكفي للبرهان على الموت البطيء لفكرة الانتخاب والمجالس البلدية. أستطيع أن أفوز تماماً بحشد مئتي صوت وهو رقم أستطيع الحصول عليه بمجرد وقوفي تحت لوحة الأمانة على ناصية الشارع.