الدراسة رحلة في عالم المعرفة والمهارة والقدرات، نستطيع أن نجعلها ممتعة لأبنائنا، كما يمكننا تحويلها إلى مأساة يعيشونها لمدة 12 عاما من حياتهم داخل أسوار المدارس وخارجها، إن لم يكن أولياء الأمر على وعي بكيفية التعامل مع هذه المراحل فسوف يزجون بأبنائهم إلى عالم الفشل وخيبات الأمل المستمرة.
يجب أن نعي أهمية دورنا في العملية التعليمية لأبنائنا، لأننا نكمل هذا الدور إن لم نكن نحن حجر الأساس، ما أسهل أن نرمي باللوم على المعلمين والمعلمات والإدارة والمناهج حتى يصل تذمرنا إلى الوزارة، ولكن قبل أن نوجه أصابع الاتهام إلى خارج دائرتنا لندرس أنفسنا أولا، لنتعرف على معلوماتنا ومهاراتنا وقدراتنا ونسأل أنفسنا: هل نحن فعلا مهيؤون لهذا الدور؟، هل نحن فعلا ندرك ماهية هذا البناء الإنساني الذي بين أيدينا من وجدان وفكر ومهارات؟، لم يعد بوسعنا تقديم أي أعذار، فكما نبحث عن أفضل شركات السياحة للسفر، وأفضل المطاعم، وأفضل الأماكن للتسوق والترفيه، بل كما نبحث عن طرق تنمية الذات ونتابع كل جديد على شبكات التواصل الاجتماعي يجب أن نتابع كل جديد في أنماط واستراتيجيات التعلم لنتفهم أكثر الطرق المثلى التي يمكن أن يكتسب من خلالها أبناؤنا المعارف والمهارات.
كثيرا ما نسمع أو نقرأ شكاوى من الأهالي خاصة الأمهات، لأنهن أكثر من يتواجد مع الأبناء في المنزل، كثيرات منهن يرددن: ابني يرفض أن يدرس أو يتكاسل في أداء الواجبات المدرسية، بعد أن حفظ ابني الدرس وقمت بمراجعته معه لمرات أجد أن درجاته ضعيفة، ومنهن من يسألن: كيف يمكن أن أساعد ابني من المنزل؟ كيف أتواصل معه، فكلما حاولت أجد أنه يبتعد أكثر؟ كيف يمكن أن أقدم له في المنزل ما أعتقد أنه لا يُقدم في المدرسة من تنمية مهارات التفكير والتعلم، كيف أحول تركيز ابني من الامتحانات إلى تنمية ذاتية وتعليم مستمر وبناء للشخصية السليمة؟، وغيرها الكثير من الأسئلة، المهم هنا أن الإجابة ليست بعيدة أو مستحيلة، كل ما يجب فعله هو البحث عن الدورات وورش العمل والمحاضرات التي تقدم من قبل الجمعيات أحيانا أو المؤسسات التربوية أحيانا أخرى الموجهة خصيصا لأولياء الأمور، حتى وإن كانت موجهة للهيئة التعليمية فلا يمنع أن يحضرها ولي الأمر، ثم إن هنالك بنكا ليس محليا فقط بل عالمي من المعلومات تُقدم بأشكال متعددة على الإنترنت، بمستويات مختلفة لمن يرغب في أن يطور من معلوماته، المهم إن نحن نوينا سنجد بالتأكيد ألف طريقة وطريقة كي ترشدنا.
بعض أولياء الأمور يقيسون الأوضاع حسب خبراتهم مع أبنائهم المتميزين على أبنائهم غير المتميزين أو الذين لديهم صعوبات تعلم، يستغربون بما أنهم استخدموا نفس الأسلوب والطريقة في التعامل مع أبنائهم فلماذا اختلفت النتائج؟ أقول لهم، هل نحن طبعة واحدة؟ هل أنت مثل أخيك، مثل زميلك في العمل؟ كما أن هنالك اختلافا بين البشر هنالك اختلاف بين أبناء الأسرة الواحدة، كلّ له قدرات ومهارات وأنماط تعلم تختلف عن الثاني، كيف إذاً نتوقع أن نسقط خبراتنا مع الأول على الثاني؟! المشكلة ليست في أبنائنا، المشكلة في طرق تعاملنا مع أبنائنا، إن كنا نرغب في صقل مهارات أبنائنا ومساعدتهم على التفوق والتفكير بطرق مختلفة مثل التفكير الناقد والتفكير الإبداعي وأسلوب حل المشكلات، والتأكيد على بناء وتعزيز التعلم الذاتي والتعلم المستمر، إن كنا نريد منهم أن يصبحوا صناع حضارة لا تُبَّعا أو مقلدين، إن كنا نريد أبناءنا أن يلتحقوا ويواكبوا التغييرات العالمية وقادرين على التطور والتكيف مع مختلف التحديات المحلية أو العالمية، يجب أن نطور أنفسنا أولا، بدءا من التعرف على المدارس المختلفة لطرق التفكير والتعلم من Skinner إلى Bloom إلى De Bono إلى Gardner وغيرهم، عندها يصبح بمقدورنا أن نحول المذاكرة في المنزل إلى متعة من خلال مساعدتهم على التعامل مع المواد المختلفة، طبعا بعد أن نتعرف على أنماط تعلمهم وأي جزء من الدماغ يستخدمونه للتفكير وما تأثير ذلك على مهارات الإبداع والمنطق لديهم، وكيف تُنظم المعلومات عن طريق بناء الخرائط الذهنية وخرائط المفاهيم، أي كيف تُخزن وكيف تُسترجع المعلومات والخبرات، وكيف نربط كل ذلك بمنظومة القيم والمبادئ والأخلاقيات وتدريبهم عليها تدريجيا من غير الخروج عن إطار احتياجاتهم واهتماماتهم.
دائما أقول لطالباتي لا تقرأن أو تصغين لمحاضرة دون أن تُعَلِّمن على كل مفهوم ثم تراجعن المصادر الموثقة من أجل إيجاد التعريفات والنماذج والخطوات أو أي أمر يتعلق بالمفاهيم التي تم اختيارها، وبالمثل هنا أطلب من أولياء الأمور، من يرغب طبعا، أن يمسك بالمقالة وُيعلّم أو يحدد بألوان مختلفة جميع الكلمات التي ذكرت وتعتبر غامضة أو غير مألوفة أو ربما المعلومات الشخصية عنها محدودة، المهم أننا كتربويين نسميها مفاهيم ولكن بالنسبة لكم تبقى كلمات فلا بأس أن تتعاملوا معها على هذا الأساس، وعليه فإن الإنترنت بين أيديكم وملفات العرض مختلفة؛ عرض تقديمي (Power Point)، ملف ورد (Word Document)، يوتيوب (YouTube)، أو ملف على صيغة بي دي إف (PDF)، بمعنى ما عليك سوى اختيار أفضل طريقة تناسبك للتعلم وابدأ ببناء ذاتك من أجل أبنائك، هنا ممكن للمدارس أن تقدم برامج متدرجة في المفاهيم لمساعدة أولياء الأمور على كيفية مساعدة أبنائهم أكاديميا من المنزل، ويتم ذلك تحت بند صرف بناء وتطوير التعليم من وزارة التعليم، حتى لو أقيمت الدورة في جمعيات تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، لن نخسر إن وحدنا الجهد من أجل بناء أسر قوية وجيل قادر على أخذ دوره في بناء الحضارة.