أبرز ما عرفته عن الفقيد عمر كامل تفانيه في أن يتعلم الطالب المتفرغ وغير المتفرغ العلوم الشرعية الأصيلة؛ بنهاية عصرية؛ فقد كان مؤمنا تماما بأن العلم الشرعي لا يقل قيمة عن غيره من العلوم، وأن دارسها لا بد أن يحصل في نهاية كل مرحلة يدرسها على شهادة معترف بها

فارقنا إلى الرفيق الأعلى قبل أكثر من أسبوعين، فضيلة الشيخ الدكتور عمر عبدالله كامل، أحد أبرز علماء منطقة مكة المكرمة المعاصرين.. عرفته حضرا وسفرا، وعرفت فيه الإصرار الصريح على الحق، مع سرعة الرجوع إليه.. من أبرز ما عرفته عن الفقيد تفانيه في أن يتعلم الطالب المتفرغ وغير المتفرغ العلوم الشرعية الأصيلة؛ بنهاية عصرية؛ فقد كان مؤمنا تماما بأن العلم الشرعي لا يقل قيمة عن غيره من العلوم، وأن دارسها لا بد أن يحصل في نهاية كل مرحلة يدرسها على شهادة معترف بها، ومن ذلك مشاهدتي له في (كيرلا) بالهند، وهو يسعى بكل وسعه إلى توأمة بين مركز الثقافة السنية هناك وجامعة الأزهر الشريف، بعد جهد استغرقه طويلا، ولم يصبه اليأس بسببه، وسعيه كذلك إلى أن ينتهي الدارسون في حلقات العلم في داره من غير المتفرغين من أبناء البلد إلى شهادة مؤصلة كذلك، وبذل من أجل ذلك جهودا كبيرة في تبسيط المناهج، وتدريجها، وجمعها، وإخراجها بصورة مشوقة جدا.
قبل نحو سنتين وبحضور الشيخ عمر تشرفت بالانضمام للرابطة العالمية لخريجي الأزهر الشريف، ولا أنسى يومها ذلك النقاش العلمي الممتع الذي دار بين الحضور عن معالجة الخلل الذى نعانى منه في مجتمعنا الإسلامي، وأذكر من جملة مداخلاته قوله -رحمه الله-: إن هذا الخلل لا يصلحه إلا التفاعل من خلال الحوار، بعيدا عن القهر، وتأليب جانب على آخر، ويجب تهيئة الجو المناسب للحوار الهادف، واحترام حريات جميع الفئات، حتى وإن كان هناك تحفظ عليها، وأن العدالة الاجتماعية لا يمكن تخيلها دون استقلال فكري، كما أنه لا بد من أدب في الحوار، وإيجاد أماكن مناسبة للمفكرين والمثقفين بالقرب من السلطة، دون تمييز أو محاباة، ليكونوا عمادا لها، لا حربا عليها؛ لا سيما أن الكبت الفكري لا يضر المفكر والمثقف فقط، بل سيضرب في عنق النظام بعد أن يستفحل خطره، وأن النصائح التي تبذل للمجتمع والنظم إن لم تجد طريقها إلى النور ستجد طريقها إلى من يحملها في قالب عنيف ومفاجئ، فالفكرة المكبوتة قنبلة موقوتة، وما من شك في أن الفكر الديني المستنير ضرورة مهمة لأي بناء حضاري، ولن يكون هنالك فكر ديني مستنير إلا في ظل حوار عام؛ فمنهج الجدل والحوار قادر على احتواء جميع الصراعات والاختلافات، وقد احتوى الصراعات مع أتباع الأديان الأخرى، وانتصر واتسع، فكيف لا يتحمل الحوار بين المسلمين؟
فقيد المملكة، وإن كان لم يسلم من حق الآخرين في الاعتراض عليه، بالكلام أحيانا، وبالتأليف أحيانا، ولم ينجُ من منع معارفه وعلومه أن تبث أو تنشر؛ إلا أن أحدا لا يشك في أنه كان مشغولا دوما بحال أمته، وأن هاجسه الأكبر كان متمثلا في كيفية أن تتصدى الأمة لمخاطر المستقبل، والتي عد من أبرزها مفرزات من كان يسميهم خوارج العصر، وأن الحل يكاد ينحصر في اعتناق الفكر الوسطي.. الشيخ عمر -رحمه الله، وصبر أهله، وأحبابه- أعتبره امتدادا جميلا للعلوم الشرعية التي برزت بين أسلافه من أسرته، وأخص بالذكر جده الشيخ محمد، وعمه الشيخ عبدالسلام، اللذين كان لهما دورهما الكبير في حلقات العلم بالمسجد الحرام، وأملي الكبير أن يظل هذا الحرص الشرعي مستمرا في الموفقين من أبناء أسرته، ومن تتلمذ على يديه.