بعيدا عما يغضب منه الذين على رؤوسهم بطحا، وبعيدا عما يحرق رُزّ التابعين بغير إحسان، من الحديث عن الأسس الفكرية لداعش وأخواتها؛ أكتب عن المختلف في اللغة والشعر حتى تهدأ النفوس، ويستعيذ كل ذي شيطان من شيطانه. وعسى ألا يكون ذلك سببا في انتفاخ أوداج أحد.
من المظاهر اللغوية في القصيدة الحديثة، وجود ألفاظ من خارج المعاجم اللغوية. وأزعم أن ذلك ناجم عن سعي بعض الشعراء إلى التجديد منطلقين من حتمية تجديد اللغة، وذلك قائم على أنه لا توجد معان محددة للألفاظ، وإنما تكتسب معانيها من خلال القرائن، أو العلاقات فيما بينها.
محمد زايد الألمعي، أحد المكثرين من الألفاظ الجديدة، ومن ذلك استخدامه الفعل: يشرنق، حين يقول:
..وانْقَشَعَ القَلْبُ مِنْ وَكْرِهِ
وتَقَافَزَ بينَ المَقَاعِدِ طَيْرَاً
تُشَرْنِقُهُ أعْيُنُ الجائعينْ
جاء في اللسان: ثِيابٌ شَرانِقُ متخرِّقة لا واحد لها، وفي القاموس المحيط: شَرْنَقَ: قَطَعَ. ولم أجد الفعل من مصدر: شرنق، في أيٍّ من المعاجم اللغوية الرئيسة، وأقرب معنى يمكن أن يكون للفعل في السياق الذي ورد فيه عند الشاعر، هو: تقطيع القلب بالنظرات الحاسدة أو المحرومة.
ومنه استخدامه الفعل: انثبج، في معنى: انبجس، والبجْس: انشقاق في قِرْبة أو حجر أو أرض يَنْبُعُ منه الماءُ، فإِن لم يَنْبُعْ فليس بانْبِجاسٍ. يقول:
سأعُدُّ القَطَرَاتِ...
إذا انْثَبَجَتْ مُثْقَلَةً بِالنَّارِ وبِالكَلِمَاتِ
.. أعدُّ القطراتْ
قال ابن منظور: والثَّبَجُ عُلُوُّ وسط البحر إِذا تلاقت أَمواجه. وفي حديث أُمِّ حَرامٍ: يَرْكَبُون ثَبَجَ هذا البحر أَي وسَطَه ومُعْظَمَه؛ وثَبَجُ البحرِ والليل: مُعْظَمُه. ورجلٌ أَثْبَجُ: أَحدَبُ. والأَثْبَجُ أَيضاً: الناتئُ الصَّدْر. وهذه المعاني كلها لا تؤدي معنى خروج القطرات أو تسللها من أي مكان، وهو المعنى الأقرب إلى مراد الشاعر، وربما أراد المعنى القرآني المعروف في انبجاس الماء، واعيا باختلاف اللفظتين في أصلهما.
ومنه استخدامه الفعل: ينشع، في قوله:
وتَنْدَلِقُ الأُغْنِيَاتُ بِقَيْحِ المَدِيْنَةِ
يَنْشَعُ مِنْ رُوحِهَا الذَّابِلَهْ
فالفعل: ينشَع في السّياق، يعني خروج القيح من روح المدينة، ولكنه خروج ذو صفة خاصة، لأنه مرتبط بالألم؛ أي أنّه يُنتزع من روحها انتزاعا؛ جاء في اللسان: والنشْعُ انْتِزاعُكَ الشيء بعُنْفٍ، غير أن استخدام المادة اللغوية بصيغة الفعل غير موجود، مما يؤيد القول بأنه يعمد إلى هذه الألفاظ، معتمدا على جرْسها الصوتي وسياقاتها في إيصال المعنى.
إن إيراد مثل هذه الأفعال، لا يعني جهل الشاعر باللغة، وإنما يعني حرصه عليها إلى حد ابتكار ألفاظ جديدة، بدليل أن حرصه عليها، يفضي به إلى أن يستخدم ألفاظا تكون ملاءمتها للمعنى أكثر من غيرها، على الرغم من أن غيرها أيسر له، وأكثر دورانا على الألسنة.
هذا النهج اللغوي -دون شك- مزعج، كأي اختلاف، لكل من يخيفه الاختلاف، وما أكثر الخائفين من أي اختلاف؛ لأنه قد يهدد مكاسب وامتيازات عقود من التهجين والتدجين والتطويع.