من خلال متابعة طويلة لتعليقات القراء على المقالات في مواقع الصحف، لحظت أن نسبة كبيرة منها بعيدة عن فهم مراد الكاتب بعدا يجعل بعضها في الوادي الأبعد عن فكرة المقال.
أزعم أن هذا الصنف من التعليقات، عائد إلى أحد أمرين:
أحدهما: وجود مشكلة في التلقي.
والآخر: الانطلاق من فكرة نمطية مشاعة عن الكاتب، وهي –في الغالب– فكرة خاطئة مُكرسة عمدا، ومغروسة في الأذهان غرسا، لأهداف لم تعد خافية على متتبعي صراعات التيارات، والباحثين في أسبابها.
لا شأن لنا –هنا– بالسبب الثاني، وسيكون الحديث عن مشكلة التلقي، المفضية إلى سوء الفهم، ثم إلى إصدار حكم خاطئ، مبني على الفهم الخاطئ.
لا يمكن حصر أسباب مشكلات التلقي في مقال قصير؛ ولذا سيتجه التركيز إلى المشكلات الناجمة عن المادة المكونة للمقالات، وهي: اللغة.
ما يكتبه الكتّاب كله مكون من ألفاظ تشكل مجتمعةً اللغة، وبدونها لا يكون الخطاب، ولا تكون المقالات؛ ومعنى ذلك أن وجود أي مقال مرهون بوجود اللغة –المكونة من ألفاظ- بوصفها القوام المادي الذي يشكل القطعة النثرية التي نصطلح على تسميتها: مقال أو مقالة، كما هو الحال –مثلا– في كون الألوان مادة الرسم، والأصوات مادة الموسيقا، لكن أي لغة تؤدي معنى، لا تصير مقالة، إلا بعد أن يستخدمها الكاتب استخداما خاصا يتحرى فيه أن تكون كل لفظة مع أخواتها مؤدية المعنى الذي يصوّر مراده، ومحققة التأثير الذي يبتغيه، مما يحتم عليه التأنق في التركيب، ويلزمه بأن يحرص عند اختياره الألفاظ وتركيبها على شيء اسمه: ظلال المعاني.
أتصور أن هذه الظلال، هي التي خلقت مشكلات التلقي عند نسبة كبيرة من القراء.
نعلم أن اللغة موحدة في دلالاتها المعجمية، وهذا هو المستوى الأول من مستوياتها، لكن الألفاظ لا تبقى على استخداماتها الأولى؛ لأن الكتّاب يعتمدون على إيحاءات بعض الألفاظ، أكثر من اعتمادهم على معانيها.
هذا يعني أن الكاتب لا يستخدم الألفاظ كلها، لتدل على معانيها المعجمية فقط، بل يخلق لها ظلالا وإيحاءات تتجاوز أصلها المعجمي. وهنا يختلف الناس في فهم ظلال الألفاظ، ودلالاتها الهامشية، بحسب ملكاتهم اللغوية.
لا تفسير عندي لعجز فئة من القراء عن فهم ظلال الألفاظ سوى قلة القراءة، والاعتماد على الثقافة الشفاهية السائدة، مثل: الوعظ المجرد، والقَصَص الوعظي التهويلي، والمجموعات المسجلة في برامج: تطوير الذات، والبرامج الإذاعية والتلفزيونية المنتمية إلى هذه الأنواع، والكبسولات المعرفية المتوافرة في مواقع التواصل.
هذه المصادر السهلة والمنتشرة، تفضي إلى ضعف شديد في حاسة التلقي اللغوي، وإلى عدم إدراك المجازات اللغوية، والدلالات الهامشية للألفاظ، وبالتالي تؤدي إلى عجز عن الفهم السليم، بل وإلى إساءة الفهم، المطابقة لإساءة الظن، لتصبح التعليقات تخبيصا يظنها أصحابها مداخلات، وهي مخارج تقودهم إلى المكان الأبعد عن فكرة المقال، ليقول لهم القائل: سلامات.
لا أريد أن أقول: إن على من لا يقرأ ألا يقرأ أو يعلق، ويا زينه ساكت.